وحين تترك الأمة الجهاد في سبيل الله تعالى فإنها تؤول إلى الجهل والحمق وضياع الهدف، ويتنازعها الهوى والفرقة والتشتت والبلاء، فالمجاهدون في سبيل الله تعالى هم أعقل الناس وأهدى الناس وأبصر الناس بحقائق الوجود، وهم أكثر الناس تأثيراً في التاريخ وصناعة الحياة، ولا يغرنك كثرة الكلام، وجميل العبارات والخطب، فإن عامي المجاهدين خير من عوام كل فرق المسلمين الذين لا يجاهدون، وعالم المجاهدين هو أعلم من علمائهم، وأما في السياسة الشرعية ومسائل الحياة فإن عامي المجاهدين خير من عالمهم وهو أبصر وأفقه لما فيه خير الأمم.
﴿استأذنك أولو الطول منهم﴾
الجهاد في سبيل الله تعالى حرب على الترف والمترفين، فهم يخافونه ولا يحبونه لأنّه لا ينسجم ولا يتلاءم مع رغباتهم بالدعة والقعود والولوغ في الشهوات والمحبوبات، وهو يعرض ترفهم وأموالهم للرضّات والمحن، ولذلك فهم في خوف من فقده، وبهذا يجتمع فيهم البخل والجبن، وقد بين سبحانه وتعالى أن المستضعفين يكرهون الأمم القاعدة لأنهم يرون كل الشرور تحيق بهم بسبب الركود والقعود كما قال تعالى ((وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً))،فبالجهاد يتم الحراك ويجد المستضعفون مجالاً للحياة والرزق وبلوغ الحياة الكريمة، وهذا الحراك يسميه أصحاب الجهالات اليوم انفلاتاً أمنياً، لأن هؤلاء ((أولوا الطول)) يريدون سيطرة الدولة الطاغوتية على مرافق الحياة ليخلوا لهم تنفيذ خططهم بأن تؤول الأموال ومقدرات الأمم إلى أيديهم وسيطرتهم، فينتشر الفقر بين الأمة، ويزداد أهل الثراء ثراءً، وهذا واقع الأمة اليوم فإن الذي يغلب على الأمة هم أهل الترف والثراء، وهم قلة قليلة وعموم الأمة في فقر مدقع وضيق حال مع أفق مسدود في أي مجال يسمح بالحياة الكريمة، لأن المترفين لا يسمحون، وحين يقوم الجهاد في بلد تجد هؤلاء المترفين يهربون منها، وهم بعد ذلك مادة الكفر في الكيد للمسلمين، وهم يد الكفر في تنفيذ مآربه، يحب هؤلاء لأنه يؤمن لهم مصالحهم، ويدرك مقدار جبنهم في معارضة سياساته وقراراته، ولذلك تجد أموال هؤلاء في رعاية الكفر، وهم يبيعون أمتهم من أجل الحفاظ على هذه الأموال وهذه المصالح، وهؤلاء هم من يشتري أبواق الإعلام وأقلام الكتبة الزنادقة لثلم المجاهدين وسبهم والاستهزاء بهم، وصوت المساكين والمستضعفين مغيّب مقهور، وربما لغلبة الجهل على هؤلاء المستضعفين ولكيد هؤلاء المترفين ومكرهم في القصف الإعلامي على عقول المستضعفين يستجيبون لهم في بعض الأحوال، ويلتحقون بهم خدماً وأجراء وجنود مرتزقة يقدمون الخدمات لقاء بعض الفتات الذي يلقونه لهم، ولذلك من مهمات المجاهدين وأهل العلم فيهم أن يكشفوا للأمة فضل الجهاد في تدمير هؤلاء المترفين المتغلبين، وكيف أن الجهاد رحمة عليهم في الدنيا وقبل الآخرة، وأنه فضاء الحرية الذي يعيش الناس فيه بلا سيطرة لهؤلاء المجرمين، بل إن الناس يجدون في ما يسميه المترفون الانفلات الأمني مجالاً لحياتهم الكريمة وتسهيلاً لسبل الرزق والكسب، وخاصة فيما جعله الله أهل الحلال وهو مال الغنائم، ومال الفيء، فمسيرة الجهاد أن تقضي أولاً على قبضة قارون وفرعون وهامان، فيجد المستضعفون وسائل الرزق بعد انفلات قبضتهم، فإن قامت للمسلمين دولة وحصل لهم تمكين حصل بعد ذلك لهم الخير العظيم، وقمع ((أولو الطول)) من تنفيذ مآربهم في سرقة الناس واتخاذهم عبيداً.
خلال خوض المجاهدين هذه المعركة هم معرضون لأشد أنواع الحروب النفسية، لأن مادة الطعن حاضرة، فهم مفسدون في الأرض، ولصوص، وقطاع طريق، وقراصنة، وستتردد هذه التهم، وستكون سبباً لشن الحروب عليهم،