تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإيمان في سبيل الله تعالى مجاهدة وانتصار للإنتقال من صف إلى صف، والجهاد في سبيل الله تعالى امتحان للثبات في هذا الصف، وتمحيص للمقيمين فيه لمعرفة درجات يقينهم وحبهم فكما أن الإنتقال اختبار عظيم، فكذلك التمحيص هو اختبار يماثله، فلذلك اقترن الإيمان بالجهاد في سبيل الله تعالى.

﴿آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله﴾

تقدم في آيتين من كتاب الله تعالى أولاهما في سورة الحشر، والثانية في سورة الأحزاب الأمر بالإقتداء والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان سياقهما هو الجهاد في سبيل الله تعالى، فدلّ هذا كما تقدم أن سياق الحياة النبوية هو الجهاد، وأنّه بيئتها، وهنا جاء هذا الاجمال الذي تقدم تفصيله بأن اقترن في السورة المنزلة: الأمر بالإيمان بالله سبحانه وبالرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الأمر بالإقتداء هو الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالجهاد حياته وسنته وطريقته، وقد ظهر ضعف الإيمان من هؤلاء ((أولو الطول)) أهل الغنى في مختبر الجهاد في سبيل الله تعالى حيث قبلوا الجلوس مع الخالفين، ولم يذكر القرآن موقفهم من قضية الإيمان بالله تعالى، لأن هذا الترك موجوه معناه، مُدْرك للقارئ، ذلك بأن الله قال في ختام الآيتين ((وطبع على قلوبهم (أي بالنفاق) فهم لا يفقهون)).

لقد ألغي الإيمان من قلوبهم، وتلاشت معالمه ليس لأنه اختبر من جهة معرفية ذهنية، ولا لضعف حججه في مخاصمة عقلية فلسفية، بل عاد الابطال على الإيمان بسبب موقفهم من الجهاد حيث قعدوا بسبب الجبن كما شرح في سورة القتال (محمد) كما قال تعالى ((رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت))،فالجبن يلغي إيمانهم إلى نفاق، فإن اشترك في هذا الاختبار دعوة للغني منهم أن يفارق محبوبه من المال فبخل وضعف عن بذله أو التضحية به طبع على قلوبهم، وهو أشد ما يكون النفاق، فدل هذا على أن الاختبار داخل الصف المؤمن ليس إلا اختباراً نفسياً، وكلما ارتقت نفس المرء ارتقت معاني الإيمان في قلبه، لأن هذا هو ما يضاد الطبع والختم، فكما أن للنفاق آثاره من عدم الفقه كما قال تعالى ((فهم لا يفقهون))،فللإيمان آثاره في حصول المعاني الفقهية الشاملة للحياة والشرع والوجود.

هذا التميز القرآني، وهذه الصبغة الفريدة في تزكية معنى الفقه لا وجود لها إلا في القرآن الكريم، فالفقه في كل مناهج البشر له فرْقتان، ولكل فرقة وسيلة في تحصيله؛ أما الأولى فهي عقلية بحتة، ولا ترى للمعاني النفسية والإرادية دوراً في تحقيق المعارف وتجليات هذه المدرسة أوضح ما تكون في المنهج الفلسفي، والثانية هم الذين يلغون قواعد العقل الفطرية والحدود المادية ليروا أن المعارف هي اشراق داخلي نفسي فقط، يحصلها المرء عن طريق مجاهدته بالسهر والجوع والخلوة، وهي الطريقة الاشراقية، والإسلام ليس هذا ولا ذاك، بل هو يعلم أن الفقه إدراك عقلي في حدوده وقواعده، لا يجوز تجاوزها ولكن حصول الرقي المميز للفقه إنما يكون بالمجاهدة في سلوك أوامر الشرع والتزامها ولذلك قال سبحانه وتعالى ((واتقوا الله ويعلمكم الله))،وكما قال تعالى ((من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً))،ولذلك فكثرة الذكر والاستغفار وقراءة القرآن سبيل لتحصيل المعرفة التي يتمايز بها العلماء والفقهاء فيما بينهم.

إن تبين لك هذا علمت لم تكون الأمة مهتدية مبصرة لسنن الحياة، وموفقة في تحصيل مقاصدها إن كانت مجاهدة في سبيل الله تعالى، لأن الجهاد هو أعظم ما يحصل به الهداية والفقه، فهي بذلك على نور من ربها الذي يبصرها الحياة على حقيقتها، وهذا تفسير ما تقرؤه بأن علماء السلف كانوا يطلبون بعض المعاني من أهل الثغور.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٣٤