تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجب صرفه، وهذا في كل ما هو عبادة نسكية كالصلاة والأعياد والحج والصوم، ومن غياب هذه المعاني فإن بعض المنافقين من المسلمين يذهبون إلى تهنئة المشركين بأعيادهم تزلفاً لهم، وتقرباً لنفوسهم وقلوبهم، ومنهم من يحضر صلوات أعيادهم وعظاتهم في أماكن عبادتهم كالكنائس وغيرها، وكل هذا ضلال وفساد في الدين، وهذا بخلاف ما هو غير نسكي كتعزية الميت بألفاظ لا تخالف الشرع، أو تهنئتهم بالولد والزواج، أو توديع مسافرهم، أو مشاركتهم في استقبال غائبهم كل ذلك جائز في أصله ضمن شروطه الشرعية.

لقد صلى رسول الله على ابن أبي بن سلول لما خيره الله بين الاستغفار لهم أوتركه رجاء الرحمة لهم وذلك بتخفيف العذاب عنهم، لأن من شفاعة الحبيب للكفار أن يخفف الله عنهم كما سيكون الأمر لعمه أبي طالب يوم القيامة، فجاء هذا الأمر بأن هؤلاء أخس وأحقر من أن تصلي عليهم، وهم أهون من أن تقوم على قبورهم مستغفراً ربك لهم، ذلك بأنهم لما صاروا إلى الوفاة كانوا كفاراً وفاسقين.

كل هؤلاء انتظموا في سلك واحد وهو ترك مرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة العسرة إلى تبوك، فهذه هي سمتهم الظاهرة، وهو المقياس الذي عرفهم الناس به، فهم ((المخلفون)) الذين قعدوا مقاعد الخلف، ومواقف كراهية الانفاق في سبيل الله تعالى، فهؤلاء حرموا من أمرين عظيمين هما:- الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عليهم، والاستغفار عليهم وهم في قبورهم.

﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم، إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾

تقدم نظير هذه الآية في موطن استغناء الله تعالى عن نفقاتهم، وهي هنا لرفع مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم النظر إلى أموالهم بعد أن أرشده بعدم قبولهم في صفوف المجاهدين معه، فإن الجهاد قد استغنى عنهم، وعن أموالهم وأولادهم، وقد فسّر العذاب في الآية السابقة بأخذ الزكاة منهم قصراً، وهنا العذاب أعم وأكثر من ذلك كما تقدم هناك.

﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾

في هذه الآية من سورة التوبة، ونظيرتها في سورة القتال (محمد) وهي قوله تعالى:)) ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت، فأولى لهم)) يتماهى الجهاد في سبيل الله تعالى كأفق خاص فريد في كشف النفوس، ويتحد مع التنزيل القرآني ليصبح القتال حالة ايمانية كالصلاة والصوم والزكاة وأعمال النسك والعبادات، ويرقى في هذه الآية من سورة التوبة ليكون رديفاً للايمان بالله تعالى ومشاركاً له في اختبار عبودية المرء لرب العالمين.

في هذه الآية اقترن الجهاد مع الايمان تنزيلاً، وضمن معه من خلال سورة واحدة أمراً ربانياً، فكما أن الإيمان تسليم وعبودية، فكذلك الجهاد في سبيل الله تسليم وعبودية لا اختياراً، ولا ممارسة لثأر، ولا لتنفيس احقاد، ولا هو مظهر لمرض شهواني في إراقة الدماء وازهاق النفوس، وكما أن الإيمان رقي إنساني، وتسامي بشري في فهم الحقائق متجاوزاً سياق الدواب في إدراكها القاصر على الماديات، فكذلك الجهاد تعبير حقيقي عن هذا التسامي وهذا الرقي، فالإيمان رقي في الوعي والإدراك والجهاد في سبيل الله تعالى رقي في الإرادة والعزيمة.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٣٣