تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمنكر، ولذلك ما أن عرض عليه الحق حتى رآه في نفسه على معنى الجمال الذي استقر فيها من قبل، فأسرع باللحوق به.

ثمّ يحتاج المرء إلى قوة نفسية لمخالفة ايلاف الناس، فإن البدايات تعني مقاومة الجموع والتقاليد والمألوف، فقد يعرف المرء الحق ولكن لا يقوى على مصادمة الناس وتحمل مخالفتهم، ولذلك يحتاج المرء إلى قدرة نفسية عالية في الوقوف أمام الجموع التي تساق ضمن نظام القطيع، وفقدان هذه الأهلية النفسية أكثر أثراً من فقدان التمييز العلمي، فإن عم النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بصدق النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم إلى مماته، وما منعه من ذلك إلا مخافة تعيير النساء له، وفي المقابل فإن هناك الكثير ممن كان في شك من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ثمّ لما ظهرت لهم البراهين أسلموا وصاروا أئمة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وقبلهم عمر بن الخطاب، وبعدهم أبو سفيان بن حرب، ولذلك قال تعالى في سورة الأنعام ((ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون)) وهذه الآية قالها سبحانه وتعالى بعد قوله ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)) وقد بين بعدها سبحانه وتعالى حالهم بعد ورود الآيات فقال ((وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته، سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون)) وهذا تفسير للآية التالية بعد قوله ((ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون)) ((ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون)) فدل هذا أن عدم ايمانهم أول مرة لم يكن بسبب عدم معرفتهم بصدق الرسول بل بسبب جحودهم لها واستكبارهم عنها، فالذين يجلسون مجالس الجماهير المنتظرة للنتائج ليلحقوا بالفائز والمنتصر سيذهب عنهم فضل عظيم إن قويت شوكة الاسلام وصار لها الظهور، أما إن كان للكافرين نصيب فهم إلى كفر صريح وضلال محقق.

قال لي أحدهم يوماً: أراك لا تنظر خلفك ولا تدرس العواقب وأنت تسارع إلى تأييد كل جهاد يقوم، فهلا انتظرت كما يفعل الناس حتى يكون للجهاد قوة ونصر فتلحق به كما يلتحق الآخرون؟ فقلت له:- هذه عبادة التجار، واللحوق بالحق إن كان نافعاً ليس منهج القرآن، بل الواجب اللحوق بالحق لأنه كذلك في نفسه سواء أتى بمنافعه للتجار أم لا، أما خوف البعض من تسجيل المواقف مع الجهاد الذي يصل إلى الأخدود لا إلى التمكين فهذا لا يعنيني في شيء، لأنني منذ وعيت على دين الله وضعت في نفسي أن ألغي ما تقوله الجموع وراء الظهر، فحيث ظهر الحق فيجب اتباعه دون التفات إلى الخلف أو تسجيل المواقف أو اعتبار لألسنة الأكثرين.

﴿ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾

هذا الأمر الالهي فيه بيان معنى الطاعات، وأن عبادة الدعاء والاستغفار ينبغي أن تصرف لمستحقها ليتم قبولها من قبل الله تعالى، فهي لا تصلح للعرض الاستهلاكي والبيع والشراء ولا هي مظهر اجتماعي أو احتفالي، كما يفعل البعض من ذهابهم إلى اتخاذها وسيلة للنفاق أو شراء الناس أو اسكاتهم أو التعلب بهم، فالعبادات حق لله لا مادة كما يتصورها المنافقون والمتاجرون، يذهبون إلى عباداتهم النسكية نفاقاً وتزلفاً للرضى ودعوى المواطنة والمشاركة، فإن هؤلاء حقاً منافقون مخادعون، والواجب طردهم من هذه الأماكن من قبل جميع الأديان، لأن النسك حق خالص لله تعالى، له وحده

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٣٢