خطورة انتشار هذه الحالة أنها جزء من دين المتعة، ومبدأ المتعة، ولا وجود لهذه الظاهرة في الأمم لحظة بنائها أو تمددها، إنما تنشأ عندما يبدأ الوهن في الأمم وتصير إلى الانحسار عن واجهة الحياة.
هنا تظهر قضية مهمة في الفتوى، وهي انتباه الفقيه وتفريقه بين حالة هامشية، هي جزء يسير في الحياة، تشكل بعض جوانب النظرة الانسانية كالضحك واللهو واللعب، وبين أن تتحول هذه إلى ظاهرة لها مؤسساتها وقواعدها، فتبدأ بالمتدد على حساب ضروريات الحياة، فتغدو هذه الضرورات هامشية مقابل هذه الظواهر، ثم تصبح أمراض ناضرة في المجتمع، لا مجرد حالة انسانية يمارسها الناس كما يمارسون قضاء الحاجة، فحين يفتي الفقيه بالجواز اعتماداً على ما وقع مثيلاً لها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يكون قد أخطأ، وبرر الفساد دون أن يعلم، لاختلاف التكييف الواقعي للحالتين، ففرق بين أن تكون قضاء الحاجة وقت الضرورة وبين أن تصبح ظاهرة اجتماعية واقتصادية تسيطر على مفاصل مهمة في حياة الأمة.
﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾
لقد وصلت قوة المسلمين إلى حالة من الاستغناء عن هؤلاء المنافقين، وتحولوا إلى قلة معزولة مكشوفة، لا تملك تأثيراً في سياق حركة الجهاد التي بدأت مطالعها إلى خارج الجزيرة العربية من خلال غزوة تبوك، وهذا خلاف ما كان أولاً، فإن ابن أبي بن سلول رجع بثلث الجيش في غزوة أحد، ولم يكن هذا يسيراً على الجنود والمجاهدين، ولكن في غزوة تبوك كانوا قلة متخلفة، وما سيأتي من الجهاد هو مرحلة جني المكاسب وتحقيق الأرباح، وبهذا يتحقق ما تقدم في الحديبية من قوله تعالى ((سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم تأخذوها ذرونا نتبعكم، قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل، فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً))،ولذلك فعزل المنافقين عن رحلة الجهاد له ظرفه، وهو وصول قوة المسلمين إلى الاستغناء عنهم، وتحول جهادهم إلى جني الأرباح، وأما قبل ذلك فإن تصور التحاق المنافقين بالجهاد ممتنع، بل هم سيهربون منه ويبتعدون عنه، وسيذهبون لذمه والتبرؤ منه، وهذا مما يريح المجاهدين من جانب ويتعبهم من جانب آخر، فأما الراحة فإن صفاء الصف من المنافقين في مطلع الجهاد وبدايته يجعل الصف متماسكاً قوياً، وأما التعب فإن حربهم النفسية وقذفهم المجاهدين والطعن فيهم يجعل الثقل زائداً في هذه المرحلة، ولكن هذا قدر الجهاد، وهو قدر هذا الدين.
﴿إنكم رضيتم بالقعود أول مرة﴾
البدايات لها معاني عظيمة، والناس يتميزون عند الفتن، واشتباك المفاهيم، اما عند الظهور ووضوح الأمور فإن الناس يتساوون فيها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) لأنها تكون في أوجها قوتها وحرارتها، وأما بعد أن تسكن فالكل يتساوى فيها، ولا فضل لأحد على أحد، اذ تصير إلى رماد لا يحتاج حامله إلى صبر وقدرة تحمل.
لتحصيل السبق الذي يتم به التميز يحتاج المرء إلى علم وتربية، بهما يحصل القدرة اللازمة على التمييز عند الاختلاط، ولذلك فإن استجابة أبي بكر السريعة للإسلام تدل على تأهل سابق في ادراك معاني الحق والجمال، والنفرة من القبح