وهذا هو النّصر الأكبر، أما الذين يرون طرح هذه القضايا بين المسلمين وأعدائهم معوقاً ومانعاً من التوصل والتقريب بين الناس فهم بحاجة أن يعيدوا قراءة القرآن والدعوة النبوية، بل ودعوة جميع الأنبياء.
﴿فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون﴾
تميز المنافقون في هذه الآيات بكثرة ضحكهم وفرحهم واستهزائهم، فقد قال الله عنهم على لسانهم: "إنما كنا نخوض ونلعب" وقال عنهم:-)) الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم)) وقال سبحانه في هذه الآية عنهم: "فرح المخلفون" ثم بين أنهم كانوا على ضحك مقيم لما هم فيه وذلك في قوله تعالى ((فليضحكوا قليلاً)).
والسخرية من المؤمنين سلاح قديم، فقد قال الله عن المؤمنين من قوم نوح في حربهم النفسية لهم وهم يبنون السفينة ((إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون))،وقد ذكر الله عن صفة الكافرين مع المؤمنين بأنها حالة سخرية منهم فقال سبحانه وتعالى مخاطباً الكفار في نار جهنم ((إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين، فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون)).
فهذا سلاح قوي وفاعل مبناه على تدمير نفسية الخصم من خلال الاستهزاء والنكتة والسخرية، وقد اعتمدت آلة الكفر في بلادنا هذا السلاح، وجعلتها مادتها في وسائل الاعلام، لأن السخرية اسقاط للخصم دون بذل جهد في نقاش عقلي يكشف الحقائق، وبه يتم عزل الداعي عن محيطه ومنع تأثيره في الآخرين.
عماد السخرية يقوم على عزل الجزء عن الكل، فتعزل الكلمة عن الجملة، والجملة عن الموضوع، والصورة عن الحدث، ثم يبدأ بإلباس هذا الجزء لباساً هجيناً منفراً يثير في الرائي أو السامع حالة استصغار وغرابة في الفاعل أو القائل، فتسقط هيبته، ويتحول خطابه من مادة للفكر والنظر إلى فضاء اللعب والاستجمام والتندر، وفي حالة أخرى يتم تجميع هذه اللحظات في سياق واحد لتشكل مادة غريبة عن الواقع تنم عن غباء فاعلها وعزلته عن محيطه إما بارتداده إلى زمن متخيل، أو زمن ماض له أو في التاريخ، وهذا هو دوماً ما يصوّر به المتدين في مجال السخرية والاستهزاء.
لقد قدِّمت صورة العالم الشرعي والخطيب والواعظ في وسائل الاعلام المجرمة على وجه منفر، فهو صاحب بطن منتفخ، وقذر اللباس، وغبي الادراك، ومتقعر في الخطاب بألفاظ كبيرة خالية من المعنى، يستر عباءة التدين الظاهرية فهماً جنسياً غير رشيد، حتى قال زعيمهم الخالد في جهنم:- "المفتي بفرخة" أي إن المفتي يبيع فتواه ويغيرها بفرخ يأكله ويعطاه، وقد كرس هذه الصورة نماذج موجودة من المفتين والخطباء، ثم نشطت قوى الكفر الداخلي في تصوير المجاهد على وجه اجرامي منفر عماده السخرية منهم ومن أعمالهم، رافق هذا انتشار ثقافة الضحك حتى صار لها نشطاء وكتاب وأفلام، ومن غباء البعض ظنه أن هذا جزء من الثقافة والوعي ونشر الاصلاح والتغيير، ومناقشة هذا الفهم يحتاج إلى كلام طويل ولكن يكفي للدلالة على فساده أنه لا يبعث لعمل، أفق محدود، إن لم يكن في حقيقته تنفيس للإرادة عن الفعل، وممارسة هذا اللون يعني الترف، وهو حالة مرضية في الشعوب، وسبب من أسباب دمارها، وحين يكون الاستهزاء مأذوناً به في عالم النقد يعني وجود علاقة حميمية بين الطرفين، وهذا واقع هؤلاء اليوم، فإن علاقتهم بالمؤسسات الفاسدة سواء السياسية أو الاقتصادية علاقة عضوية يعرفها المتلقي مما يجعل هذا الفعل مجرد عرض لتسلية الوقت.