تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اضاءة:

هذا الحديث يمثل نموذجاً جلياً في منهج الصحابة رضوان الله عليهم في تفسير الأخبار النبوية، وذلك عن طريق قراءة الواقع والظواهر الانسانية، لأن الفارق بين النبوءة الصحيحة والنبوءة الكاذبة أن النبوءة الكاذبة تفرض بالقهر من خلال الالتفات على السنن، أما النبوءات الصادقة فإنها تنشأ بطريقة سننية، ثم تسري في اطارها المدرك في عقول الناس وفطرهم، حتى تبدو لغير المؤمن بالغيب أن لا علاقة ليد الله في وجودها، فالناس اليوم يرون اضطراب نظام الكون، واختلال سننه، ومع ذلك لا يدركون إلا المؤمنين منهم أن الساعة قريبة، وأن دمار النظام الكوني ليس بعيداً.

ولو تأمل قارئ التاريخ كيف حصلت النبوءة الصادقة للحبيب صلى الله عليه وسلم بأن الأرض زويت له، وسيبلغ ملكه ما زوي له منها، لرأى أن وقوعها كان بسنن الحياة وطبائع الخلق، لكن لو قرأ هذا المرء أخبار زاعمي المهدوية في التاريخ لرأى محاولة القهر، وتدخل الأيدي وهي تجري قاصدة تحقيق النبوءة في الشخص المعين، وحين يتم هذا فاعلم أن في الأمر خطأ من أحد الجهتين، أو من كلاهما: إما من جهة صحة النبوءة في الأصل، وإما من جهة تفسيرها الواقعي، وإما من الجهتين معاً، فخبر المهدي حق لكن الخطأ كان دوماً في تأويل حدوثه.

لقد سمى بعض العرب أبناءهم باسم محمد رجاء أن يكون هو النبي المنتظر ولم يكن أحد منهم، وسمى عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم ابن ابنه عبد الله محمداً حتى يحمده أهل الأرض وأهل السماء، فكان هو النبي الذي بشرت به الكتب السابقة كما قال تعالى ((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم اصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)).

﴿قل نار جهنم أشد حراً﴾

هذه نذارة مضطردة في القرآن للعصاة من كافرين ومنافقين، وقد يعجب المرء من ذلك؛ وهو كيف يهدد المرء بأمر لا يؤمن به، فإن الكفار والمنافقين في شك من الدار الآخرة، فإن خوفوا من عذابها لا يخافون ولا يحصل المقصود من هذا التخويف، وهو الردع والزجر، ولكن ليعلم أن القرآن عزيز، فهو لا يذل للمعرضين عن حقائقه، فإن نفيهم للدار الآخرة لا يلغي هذه الحقيقة التي قامت السموات والأرض من أجلها، وهي أكبر حقائق الوجود، فمن الخير للناس أن يؤمنوا بها، فإن نفاها الجاحدون فإنها تبقى حقيقة، والانذار بالحقائق رحمة للخلق فلعلهم يرجعون، ثمّ إن ذكرى القرآن نافعة للمؤمنين به، وأما المعرضون عنه فهو عليهم عمى كما قال تعالى ((قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد))،فأن يحافظ القرآن على المؤمنين بتكرار عظته ونذارته خير من التنازل للمعرضين عنه، فتقع الخسارة، اذ لا ينتفع المؤمنين ولا يؤمن المعارضون، وهذا ما يقع فيه بعض الدعاة يجعلون خطابهم مليئاً بالاستعطاف للكافرين والمعاندين، ويلغون أي رحمة للمؤمنين، بحجة إيكال المؤمن لإيمانه، وهو في الحقيقة أنهم يعظمون الآخر، ويرجون منه الكثير، ولا يقيمون أهمية للمؤمنين لفقرهم وضعفهم.

إن أي عظة، أو انتصار في مناظرة بين المؤمنين وأعدائهم لا تحقق النصر لقضية الحقيقة القرآنية أي الدار الآخرة هي خسارة أو لا شيء، وإن أي تقريب للآخر إلى الإسلام إنما يكون بتقريبه إلى توحيد الله تعالى والخوف من الدار الآخرة،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٢٩