هذه الأسباب كلها مرجعها إلى باب واحد، وهو ادارة الأزمات، لأن الفتن والمصائب والهزائم وطيش الحكام ونزوعهم للظلم والاستفراد ووجود التناقضات الداخلية قدر لازم لكل الأمم، فهي العوارض التي لا مفر منها، والروم هم أكثر الناس في هذا، فإن قارة أوروبا هي أصغر بكثير من مساحة مصر والسودان اللتين كانتا قطراً واحداً حتى في التنظيم العثماني، وفيها من التناقضات القدرية والفكرية والدينية أكثر من مجموع العالم الاسلامي من جاكارتا إلى موريتانيا، فهم النصارى الذين قال الله عنهم ((ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون)) وبسبب هذه التناقضات تقوم فيها الحروب والأزمات ما يخال للمرء ابتداءً أن في ذلك زوالها، لأن حروبهم ربما تهلك مئات الآلاف بل وبعضها أهلك الملايين، ومع ذلك لا يلبث أن يفيق هؤلاء ويديرون الصراع بحلوم وعقول ثابتة حتى ليخال للبعض أنهم أمة واحدة ورجل واحد وليسوا كذلك، ولم يكونوا قط في يوم من الأيام، وهم في كل أزماتهم لا يترددون أبداً في شن الحروب، لأنهم يعلمون أنها هي ما تحل مشاكلهم الداخلية والخارجية، وكلما ازداد تفاقم الأزمة كلما كان الانبعاث نحو الخارج كما حصل في الحروب الصليبية وبعثات الاستكشاف ثم ما سمي بالاستعمار، وهو لا يمت إلى الاعمار بصلة بل هو افساد في الآخر وسرقة له لحل مشاكلهم الداخلية.
إذا سمة الأمة التي تغلب وتقوى وتبقى هي التي تدير أزماتها الداخلية بحلم وعقل، وتكر بعد الفر، أي تنبعث نحو الآخر ولا تنكس للداخل إن حصل لها بعض الانهيار، ولا يقبلون طيش الحكام أن يمتد ويقيم، بل يردعونهم ويمنعونهم بكل وسعهم، ويعالجون تناقضاتهم الداخلية وخاصة المالية، فلا يسمحون للغني أن يستأثر دون اعطاء الفقير.
هذه صفاتهم القديمة يدركها عمرو بن العاص بعقله الثاقب، وادراكه المميز، وفي المقابل تجد في هذه الأمة من يعلن انهيار هذه الأمة عند أول بادرة ضعف، وينعى وجودها، فما أن تقع فتنة حتى ينهار وينزوي، ويصرخ بدعوته للانتكاس نحو الذات، بل يذهب على من كر بعد الفر، وأصلح بعد الفتن والمصائب.
كما في هذه الأمة من عمي عن مقالة الصديق رضي الله عنه وأرضاه لما ولي الخلافة ((فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني))،فهذا قانون الامامة في الاسلام إن كان الإمام مسلماً، فكيف إن كفر وبدل دين الله وغير الشريعة فأفسد الحرث والنسل، وضيع الدين والدنيا؟!
هذه الأمور لهذه الأمة إن أرادت العودة إلى الخيرية والقوامة على الأمم؛ الجهاد في سبيل الله تعالى ضد المرتدين والكافرين، واصلاح سياسي بمنع طيش الزائفين من الحكام بكل وسع، واصلاح اقتصادي وأعظمه قوله تعالى ((ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً))،وهذه ليست مرحة لاحقة بعد إقامة الإمامة في الأرض، بل هي بداية الطريق لعودة الأمة، يعني أن تبدأ الأمة من الآن بالجهاد، لأننا في مرحلة جهاد الدفع والذي لا شرط له، وتبدأ من الآن بحرب المفسدين من الحكام وايقاف فسادهم وفساد من يلوذ بهم، وتبدأ من الآن بمنع السفهاء من ادارة أموالهم ولا أموال الأمة، وكلما قدر الواحد من الأمة فعل هذه فهو واجب عليه، والضعيف يؤوب إلى غيره ليتقوى به، وبالإعداد والتجمع والهجرة يحصل للأمة القدرة اللازمة على التغيير، وبتكرار الفعل حتى من الآحاد يحصل الأثر، ولا أقل من اقامة الحجة والاعذار إلى الله تعالى.