تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المترفين، ورضى حكام الردة في بلاد المسلمين، قال بأن جهاد الدفع له شرط من الشروط التي يقولها هؤلاء، بل قد ذكر العلماء أن جهاد الدفع لا شرط له.

والذين يضعون شرط القدرة لجهاد الدفع، وهو حال المسلمين اليوم، إنما يقولونه من أجل بيان الفارق بين الآثم والمعذور من المسلمين، لا من أجل أن يتخذه فقهاء الجهل هذه الأيام لتحريم الجهاد، وسب الجهاد، وتنفير الناس منه، فأي عقل ودين عند هؤلاء حين يقوم بعض أهل الاسلام بالجهاد فيأتون ليقولوا لهم: جهادكم باطل لأنه لا قدرة لكم عليه، فهل هؤلاء يفهمون نقيراً من أصول الفقه؟ وهل هم من أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم حين يجهل الناس؟.

إن العقل الفطري قبل ورود الشريعة خير من الدين الباطل، وإن فطرة الإنسان كما هو من غير دين خير من البدعة، ذلك بأن الأمم تفهم من فطرتها أن تنتصر لحقوقها، وتدرك أن متسلطاً فاسداً عليها يهلك الحرث والنسل يجب أن يزال ولا يقر، فإن زعم زاعم أن الدين يوجب السكوت على الظالم، ويقر المحارب الذي يهلك الدين والدنيا فاعلم أن هذا الدين الذي يدعو إليه هذا الزاعم هو دين باطل، ولذلك فلا عجب أن ترى في بلاد الكفار رفضاً لحاكم فاسد أو مفسد، وحرباً لغازٍ معتد، ثم تجد في أمة الاسلام بدعة ضالة، وأقوالاً تنتسب للإسلام كاذبة تزعم أن الاسلام يوجب السكوت على الطواغيت، ويحرم الخروج عليهم خوفاً من الفساد، وهم أعظم الفساد، وأضر ما يكونون على دين الله وحقوق البشر، بل زاد الأمر عجباً في هذا الدين الباطل حين وجد فيه من حرّم قتال المعتدي، ومنع من النفير لإزالته إلا أن يصل هذا المعتدي باب بيته، فبهذا صار أهل الاسلام بالبدع الضالة هذه أذل الأمم وأهون الخلق في عيون الخلق، وكفى بمجموع الأمة ذلة وخزياً لو كان أهل الشأن فيها يفقهون أن يروا أنّ ذلّتهم ومهانتهم إنما هي بيد من كتب الله عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة.

ولادراك معنى العودة إلى الفطرة إن غلبت البدعة فصار دين الناس تأوليهم لدينهم حتى يلائم شهواتهم، فعليك بهذا النصّ الذي تغلغل صاحبه في التاريخ، فأبصره بصر الحكيم الفقيه، وسار فيه يقلّب سنن البقاء وسنن الهلاك، فخرج بقول هو القبس الذي ينشق من هدي النبوة التي اتخذها هادية، فعل بها دون تحريف، وآمن بها على بصيرة ونور، إنّه صاحب العقل والإرادة عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه:- قال المستورد القرشي عن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"تقوم الساعة والروم أكثر الناس"، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال المستورد: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو: لئن قلت ذاك، إنّ فيهم لخصالاً أربعاً: إنّهم أحلم النّاس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرّة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.

هذا الحديث الذي روه الإمام مسلم في صحيحه يستحق أن يفرد له مؤلف خاصّ لو كان طلبة العلم مشغولون بإحياء أمتهم، أو لو كان لهم نهمّة في البحث ن سبل استنهاضها من كبوتها، ولنشروا فقهه في الناس بدل أن ينشروا فيهم فقه الركون إلى الظالمين، والسكوت عن الفاسدين المفسدين، وطاعة معطّلي شريعة ربّ العالمي، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.

لو تأملت هذا الحديث لرأيت فيه سبب بقاء الروم، ولماذا سيكثرون قوة وغلبة ويقلّ الناس مع كثرتهم غثاءً كغثاء السيل، ولو تأملت هذه الأسباب لعلمت لم قال الله تعالى ((استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)) وأن حياة هذه الأمة هو الجهاد، وحين تترك الجهاد يعني أنها خرجت من الشهود الحضاري، وفقدت معنى خيريتها في الأرض.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٢٧