تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثمّ يتساءل الناس بعد ذلك: أين جيل الصحابة! وكيف يُصنع! وكيف نعيد إحياء الصحابي الأول! ويذهب المجيبون مذاهب التيه، وأجوبة الجمال الذهني الممتع، ويجتهدون في صياغة مقدمات حالمة في نتائج أبعد عن الأحلام، والحلّ يسير مُدرك في كتاب ربنا:- هو أن ينفروا في الحرّ، وخفافاً وثقالاً، في العسر واليسر، ويصرخوا في الناس هذا الصريخ بلا كلل، فإن أتى القليل، وهذا ما سيأتي فعلاً، فهم فقط من يصلح بهم تحقيق اذهاب الغربة الثانية، كما أُذهب بالجيل الأول الغربة الأولى، وبهؤلاء القلّة يتحقق الوعد الالهي ببقاء الطائفة المنصورة والتي يقاتل آخرها المسيح الدجال.

إن الناس لم يفهموا بعد أن الجهاد غير محبوب للنفوس كما قال تعالى ((كتب عليكم الجهاد وهو كره لكم))،ولم يفهموا بعد أن الجهاد يصادم كل رغبات الإنسان، وأن الإيمان والعمل به سيجابه الكثير من عوارض النفوس، وستسري هذه العوارض النفسية متسللة إلى العقول لتحولها إلى خطاب فيه مسحة من العقل، وغلالة من الفقه، فإن المرء لا يجاهد حتى يتجاوز كلّ هذه العوارض وظلالها، وإن من لا يجاهد يعني لزوماً أنه انهزم أمام شهواته، وانهار أمام تحديات الجهاد في نفسه وواقعه، فإن أقرّ بهذا كان فيه الرجاء أن يؤوب ويتوب، لكن إن ساير نفسه إلى نقل هذه العوارض إلى عقل يبرر، وفقه يؤول، فإن رجاء التوبة يكون بعيداً، لأن انتصار الشهوة على الجهاد معصية يدرك المرء حقيتها، فإن تحولت الشهوة إلى فقه وعقل صارت بدعة، والتوبة من البدعة ليس سهلاً في تاريخ البشرية.

النفاق في زمن رسول الله كانت ملامحه النفسية واضحة جليّة، وخطابه لا يمكن أن يتقنع بالنص، وإن كان فيه ملامح الخطاب العقلي قليلاً كقولهم ((لا تنفروا في الحرّ))،فهذا يمكن لقائله أن يجد مبرراً عقلياً لدعوته فإنه لو قال:- أجلوا الغزوة حتى تينع الثمار، ونكفى من الأموال، فتقوى أجسادنا، ونذهب للقتال، ونحن في قوة ومدد يكون خيراً لنا لتحصيل الفوز وما نؤمل، لوجد من يبرر له ويسكت عنه، وإن كان الخطاب نفسياً واضحاً كما تقدم، فإن ملامح الخوف من المشقة هي الأجلى والأوضح، وكذلك كان في خطابهم تستر بالتقوى الزائفة كقول السابق ((ائذن لي ولا تفتني))،لكان ما كان ممنوعاً عليهم هو التستر بالنص، وذلك لوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وذلك من بركة الوحي، وبركة وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى ((واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم))، ولكن شر البدعة، وهو أخطر ما يصيب الأمم في كل تاريخ البشرية، يفتح بعد العصور المباركة، فتحمل كل الشهوات والرغبات وضعف الارادات على النص، فتتخفى وراءه، وتتقنّع به، وهذا ما أصاب الجهاد في سبيل الله تعالى في هذا الزمن، فإن كل ما قاله المنافقون زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تركهم الجهاد هو هو ما تراه الأمة، ولكن كل هؤلاء يزعمون أن لهم فقهاء يأخذون منهم حكم الجهاد، ولو تحول أحد هؤلاء الفقهاء إلى الصف الآخر فأفتى بالجهاد لتحولوا إلى غيره، وهم كثر، لا أكثرهم الله ولا بارك فيهم، وخير هؤلاء من يضع للجهاد شروطاً تجعل الجهاد في كل العصور حراماً، وحالهم كحال من سئل عن حكم المسح عن الجوارب، فأجاب:- إنه جائز، ولكن بستة وثلاثين شرطاً، فقال له السائل: هلا قلت غير جائز وأرحتني.

فهذا هو الحال اليوم في أمر الجهاد، وهذا هو واقع ما نعيه، فهم يمدحونه نصاً في كتاب الله، ويتغنون به تاريخاً مضى للسالفين، أما في يومنا فله شروط لا يصلح معها إلا أن يكون حراماً.

هل يعني أن الجهاد لا شروط له؟ الجواب: نعم، لأن وجود الحياة يعني وجود الجهاد، وكل تعطيل للجهاد يعني فساد الحياة للأمة المسلمة، أقول هذا وأنا أعلم أن جهاد الطلب فرض كفاية، وجهاد الدفع فرض عين، والجهاد اليوم فرض عين، ولا يوجد عالم في الأرض قط قبل وجود الفقهاء الذين يبحثون عن حكم الجهاد في عيون الآخرين، وأثره على

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٢٦