((وقالوا لا تنفروا في الحر))
هذه من المرات القلائل، بل والنادرة التي تفلت من ألسنة المنافقين الكلمات التي لا تبرير ولا التواء ولا كذب، فهم هنا كشفوا مشكلتهم مع رحلة النور إلى تبوك، وبان بأن كل مواقفهم قد تعلقت بسبب المشقة، فلا خوف من فتنة النساء، كما ادعى بعضهم، ولا لأن الجهاد غني عنهم، ولا كل تبريراتهم الكاذبة، بل إن علة عدم النفير والركون إلى القعود هو عدم استعدادهم للبذل وقت الحر من أجل دين الله تعالى، فهم إما ميت الهمة، لا تنشط إرادته لحال، ففي الحر يطلب البرد، وفي البرد يطلب الحر، فهمته للآخرة لا تنشط قط، لأنه لا يؤمن بها، ولا يرجو البعث والنشور، ولا لقاء الله الرحيم الغفور، ولكن لو دعي لدنيا يراها، وشهوة يبصرها نفر إليها مسرعاً، لأن حاله حال الدواب التي تنثار لما ترى وتشم وتلمس، وإن خوطبت خطاب القلب لما استجابت، فهؤلاء لا ينفرون للجهاد لا في حر ولا في برد، وينفرون للدنيا في الحرور والزمهرير، لأن القلوب تنشط إلى ما تحب وترغب.
وهناك أقوام يريدون الجهاد على مقاس جهادهم، ولظروف تتلاءم مع رغباتها، فإن جاء الجهاد على غير ما يريد نفروا منه وشتموه؛ أو أعرضوا عنه أنه غير ملائم لهذا الوقت وهذا الحال، والناس في هذا مذاهب في الحب، فمنهم من يريد الجهاد بعد المال، ومنهم الجهاد بعد القوة والسلطة، ومنهم من يريد الجهاد بعد الانتهاء من بناء الحياة في كل صعدها؛ من ولد ومال وسلطة، ومنهم من يريد الجهاد إن كان لأجنبي لا لبني جلدته ولسانه وقومه، وهكذا يبقى الجهاد عارياً لا جمال فيه عند هؤلاء إلا ما يكسوه من رغباتهم وشهواتهم.
غزوة تبوك كانت رحلة النهاية النبوية، حيث وضعت الصناعة النبوية العظيمة والمحكمة في أوج ابتلائها، فتقشرت الأصباغ الزائفة، وبانت المعادن النفيسة، في الأكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه الرحلة هي وصية الحبيب لأمته أن ينفروا خفافاً وثقالاً، في الحرّ وفي غير الحر، وفي المنشط والمكره، فإن فعلوا ذلك كانوا هم الورّاث الحقيقيين لهذه الحياة المباركة التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإن مالوا عن ذلك الميل اليسير كان في ذلك العقوبة لهم، ولذلك ليتأمل الناس في نفوسهم، صادقين في عرض هذا الدين وحقيقته عليها، فما الذي يمنعهم من الجهاد؟ عندما يربي أحدهم جماعته واخوانه على أن أقصى ما يطلب منهم أن يعبدوا الله في أنفسهم بأعمال النُسُك، وهم مقيمون في حياتهم على ما عليه أهل الدنيا من غيرهم، بل هم أغلب منهم وأتقن، فهل هذا حين يخلو لنفسه ويصدق معها أن لو طُلب منهم الجهاد الذي يودي بكلّ تجارة أتباعه، وبكلّ مناصبهم، وبكل أموالهم، ويعرض مصالحهم للفتن والضياع فهل تظنّ يا عبد الله أنهم سيستجيبون له؟!
هو يعلم أنهم لن يفعلوا، ولكن هل يقدر أن يقول أنّ هذا هو السبب الذي جعله يعرض عن سبيل الجهاد بصفته أمراً ربانياً وحلاّ وحيداً لمشكلة الهوان والذلة التي تعيشها الأمة، الجواب: لا، فما الحلّ إذاً؟
الحلّ هو أن يتستر بالفقه، وبالتأويل، وبمصالح الأمة، ولكن لابدّ أن تفلت من القوم مثل هذه الكلمات: لا تنفروا في الحرّ.
لأن هذه الكلمة هي عينها ما يقول القوم اليوم، حين يتهمون المجاهدين أنهم يعرضون مصالح الناس للخطر، ويجلبون عليهم المصائب والمشاكل، ولذلك يقولون: لا تنفروا في الحرّ، لأن الجهاد عند هؤلاء حلم جميل، ورحلة بناء قصيدة تهزّ مشاعر السامعين بقوة بيانها ولغتها.