لا يستغفر لهم، لأنهم لا يستحقون ذلك، وأمره أن لا يقوم على قبورهم، لأنه أكرم أن يقف على قبور أقوام كفرت قلوبهم و- ماتوا وهم فاسقون-.
﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحرّ قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون، فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين، ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون، ولا تعجبك أموالهم وأولادهم، إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾.
النفوس تفرح لما يلائمها، فهي مشدودة إلى طبائعها، فتنجذب إلى ما ترغب فيه، وتنفر عما تكرهه، ولما كانت نفوس المنافقين خبيثة، تصغر أمام المكارم والمعالي فهي تفرح بالجلوس في مقاعد الجبن والكسل، وتنفر من مرافقة رجال المكارم إلى مواطن العز والرفعة والشهادة.
فرحهم هذا كان جامعاً لخصال السوء، منها: جلوسهم مقاعد الجبن مع الخالفين، ومنها: ترك مصاحبة إمام البشرية وهو ساعٍ لمهمات الرسالة في تبليغ هذا الدين ونشره في الناس، ومنها: كراهيتهم المشقات، وهي سنن البلوغ للمكارم، ومنها: تثبيطهم الآخرين عن السعي للمكارم، ومنها: جهلهم وقلة فقههم في معرفة خير الخيارين بين راحة الدنيا أو راحة الآخرة.
الصورة في هذا الحدث في المسير إلى تبوك كالتالي:- كان الحر شديداً ملتهباً، وفيه عسرة قاسية، وعلى الرمال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يسعون إلى تبوك، يعطشون من قلة الماء فيرون المعجزات النبوية، حيث يشربون الماء المبارك القادم من الغيب بلا اعتصار سحب، بل هو يخرج من بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم المباركتين، ويجوعون فيأكلون من طعام الغيب من قوله تعالى ((كن فيكون))، وهناك آخرون قصرت بهم هممهم عن هذه المكارم والخيرات، فلاذوا كالفئران إلى جحورهم، وعلى وجوههم بسمة الفرح أنهم فلتوا من مشقة الرحلة وعناء الجهاد.
أهل المسير يفرحون بأنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم يخوضون في الرضوان ومدد الغيب، لأنهم يجاهدون، وأهل القعود يفرحون بأنهم جلسوا مع الخالفين، فلم يصبهم حره ولا مشقته ولا عناؤه.
هذه قسمة كل فريق، وكل يحصِّل ما يسعى إليه، فالعيش مع الغيب وعطاء الله وبلوغ الغايات يكون بالخوض في الحر والتعب والعسرة، والعيش مع القاعدين عاقبته جهنم وبئس المصير، وكل يرى الصورة من خلال قلبه، فالمؤمنون يغيب عنهم الحر والتعب والمشقة وتبقى المبشرات والمعجزات والنصر والتأييد، والمنافقون لا يرون إلا التعب والعسرة ويذهب عنهم النور كما قال تعالى في المثل المائي: ((أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت)) فهم لا يروا إلا الظلمات والرعود والبروق في صيب الماء والخير، وعميت أبصارهم عن رؤية ما فيه الحياة والنور والخير والنماء، فهذه طبيعة الخير وصفته، صيب نافع لكن فيه ظلمات ورعد وبرق، فالمؤمنون يغيب عنهم كل ما فيه إلا النور، والمنافقون يغيب عنهم كل ما فيه من نور وتبقى الظلمات والرعود والبروق.