﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله، والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾
سورة يفتتحها الله بقوله سبحانه ((براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)) ويختتمها بقوله سبحانه وتعالى ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم))،ويكون أكثر ما بينهما حديثاً عن المنافقين لجدير بأن يعلم الناس، كل الناس عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته، فإن هذا القلب النبوي العظيم، والذي أعظم صفاته أنه رؤوف رحيم حقيق بهذه الأمة أن تصلي عليه في العشي والإبكار، وأن تحبه أكثر من حبهم لأنفسهم وأهليهم وأموالهم.
هذا العظيم في كل جانب انساني، هو أعظم ما يكون في رحمته على أمته، وعفوه عنهم، وشفقته عليهم، فهو الذي يرى كل هذا الصنيع من المنافقين، فهم يلمزونه، وينفرون الناس عنه، ويثبطون الجموع أن تلتحق به، ويسخرون من أتباعه، وكل هذا يصل إليه، ويعلم مكرهم وخيانتهم، وكيدهم وسفاهتهم، وكذبهم ونفاقهم، وأمانيهم في هزيمة هذا الدين، ومع ذلك كله استغفر لهم، لا مرة ولا مرتين، بل سبعين مرة، وحين يستغفر لهم الكثير يقال له ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)) يذهب بقلبه الروؤف الرحيم فيستغفر لهم سبعين وسبعين، فأي قلب حوى هذا الصدر العظيم؟، وأي رحمة ورأفة سكنت في هذا القلب الكريم؟.
إنه قلب الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق، وإمام الأنبياء، وحبيب وخليل رب العالمين، صاحب لواء الحمد يوم القيامة، فله الشفاعة الكبرى يختص بها يوم قيام الناس لرب العالمين تحت الشمس، وهو الذي قال الله له:- "ولسوف يعطيك ربك فترضى"،هكذا سعي الرب جلّ في علاه –سبوح قدوس ربّ الملائكة والروح- في ارضاء عبده محمد بن عبد الله.
لذلك ليس عجيباً أن تختم السورة بقول رب العباد ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)).
أي رجل رؤوف رحيم هذا الحبيب يا عبد الله؟ يكاد نفسه تذهب حسرات على المعرضين عن الهدى، فإنه يدعوهم إلى جنة عرضها السموات والأرض، وهم يتفلتون إلى النار يتهافتون فيها تهافت الفراش.
ويقف على موتى المنافقين ويصلي عليهم، وحتى إنه لينزع قميصة الشريف، والذي في طياته عرقه الشافي للأمراض والأوجاع فيلبسه زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول.
صدق الله العظيم حين سماه ((رحمة للعالمين))
لقد كان المنافقون يرون هذا كله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعلمون رأفته ورحمته وشفقته، ومع ذلك لم يكن منهم إلا الإعراض والنفاق وضلالات الأعمال، فيمضون في غيهم وكفرهم وفسادهم، وهو لا يزداد إلا سعة لهم رجاء الخير لهم، ورجاء نجاتهم من عذاب الله يوم القيامة، وهكذا النفس الطيبة، تستبعد أن تخلو هذه النفوس من خير يردعها عن غيّها، ويردها إلى الحق يوماً، لكن الله تعالى هو رب القلوب، هو عليم بذات الصدور، ويعلم السر وأخفى، قد علم سبحانه وتعالى قبح هذه القلوب، وقذارة هذه النفوس، فهم أهل شر كامن لا يريم، وضلال مقيم لا يتحول، فلذلك أخبر حبيبه أن لا يذهب نفسه عليهم حسرات، فهذه قلوب ختم عليها بالشر، وأقفل عليها بأقفال من كفر لا يفك، ولذلك أمره بأن