صلى الله عليه وسلم: ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء))،وهذه يقصد بها السنة العملية لا التشريعية، وسبب الحديث دال على هذا فإن فيه:- أن قوماً قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مجتابي النمار (أي لفقرهم وحاجتهم) عامتهم من مضر، فحض رسول الله على الصدقة وقال: تصدق رجل من ديناره، تصدق رجل من درهمه، تصدق رجل من صاع بره ... (وهذه سنة تشريعية، وهي حق لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم)،فأقبل رجل بصرة تكاد يده تعجز عن حملها، بل قد عجزت (وهذه سنة عملية)، فتتابع الناس في الصدقة، حتى اجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كومان، كوم من طعام، وكوم من ثياب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة))،وهذا لا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها على جهة المدح للمتصدق الأول، لأنه بفعله قد حصل الإقتداء، كما أن الأمر في الشر سواء، فإن كل قاتل في الدنيا عليه وزر جريمته، وعلى ابن آدم الأول (أي القاتل) كفل منها كما في الحديث الشريف، ولذلك لا يمكن لأحد أن يبلغ مرتبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأجر حتى لو كان في عمل من بعدهم معنى التقوى الذي كان في قلب الصحابي، لأن الصحابة هم أئمة، وغيرهم يقتدى بهم، فللصحابة رضي الله عنهم أجور أعمالهم، وأجور الناس من بعدهم، وكل هذه الأجور هي كذلك لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها: أن الأعمال تحب عند الله تعالى على قدر جهد أصحابها، فإن صدقة الغني محبوبة عند الله تعالى، لأنه يخاف الفقر، وصدقة الفقير محبوبة عند الله تعالى لأنه يعاني الفقر، فلكل واحدة معنى، وهو محط نظر الله تعالى.
ومنها: أثر هذا العمل، فإن من تصدق على رجل لينقذه من الموت فكان نجاته أحب عند الله تعالى لمن يعطي مسكيناً يملك سفينة يقتات منها كما قال تعالى ((وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر))،ولذلك فإن من معاني فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على من بعدهم كائناً من كان أن أعمالهم كانت لإرساء قواعد الدين، فهم الذين قال عنهم سيدنا وسيدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ((اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض))،وفضل السابقين منهم أعظم من فضل اللاحقين.
لهذه المعاني وغيرها كان فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على غيرهم، وأن ما هم فيه من المقامات لا يمكن لأحد أن يبلغها كائناً ما كان، لكن للناس أن يلحقوا بأماكنهم في الجنة عن طريق الحب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب))،وسر هذا العمل العظيم، أي الحب، أن منشأه على المشاكلة، فإن المرء لا يحب أحداً إلا لاجتماعٍ بينهما على معاني نفسية وخلقية، وكلما كانت هذه المعاني أكثر وأعظم كلما كان الحب، ولذلك فلا يظنن ظان أن الحب مشاعر نفسية فقط فإن الله يقول:- ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله))،فليسع المرء جهده أن يعمل مشابهاً للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى يصدق في حبه.
﴿سخر الله منهم﴾
لجهل هؤلاء المنافقين بهذه المعاني فهم يلمزون صدقات الأغنياء، ويسخرون من صدقات أصحاب الجهد، فإن الله يسخر منهم سبحانه وتعالى، فهم أصحاب جهل، وتألي على الله تعالى.