تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو كثيراً، والمنافق يشترط على ربه الشروط، ثم يبخل، ومن أجل أن يتقي الملامة يسارع بقذف العاملين والاستهزاء بهم ورميهم إما بالنيات إن لم يجد مطعناً ظاهراً، أو بالكمية إن كان الفعل أتى قليلاً على قدر وسع فاعله.

تقدم طعنهم في إدارة الصدقات، حين لمزوا النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ثم جاء بخلهم بها، وقد يتسترون بالبخل أنها لا تقع على الوجه الذي يحبون، ثم ها هم يطعنون في المسارعين إلى الطاعات بأدائها، فاجتمعت فيهم حلقات الشر، من أجل تطويق الخير من كل جوانبه، وعلى أي صفة كان، وما ذلك إلا لشر في قلوبهم، واشاعة للفاحشة في المؤمنين.

﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾

هذه صفة المؤمنين العقلاء، فهم يرون امكانية الطاعة على أي حال، فإن الإنسان لا يخلو من قدرة، قليلة كانت أو كثيرة، ولذلك يأتونها، ولا يتعللون بالقلة وعدم الوسع، ولا يسوفون الطاعة حتى تأتيهم القدرة على الوجه الذي يؤملون، فمالك الدرهم بوسعه أن يأتي بالطاعة في انفاق نصفه، وحاله كحال من يملك الألف، فإن الانسان المؤمن العاقل يعوِّد نفسه الطاعة في العسر واليسر، وفي الغنى والفقر، وفي السعة والضيق، حتى تكون له صفة لازمة يراها الله فيه فيسميه بها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً))،وكذلك المتصدق والذاكر والساجد، ولقد كان عبد الله بن الزبير يعرف بكثرة الطواف حتى إنه كان يطوف سباحة حتى تغمر المياه بيت الله والكعبة، وقبول العمل عند الله إنما يكون بقدر اخلاص صاحبه، وإمامته فيه كما قال تعالى ((لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من قبل وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى))،فالذي يرجو رضى الله، ولا يهمه ما يقوله الناس يبذل الجهد والوسع ويطمع أن يبارك الله فيه، وهذا في كل شأن من شؤون الحياة، وفي كل عمل من أعمال الطاعة.

يقابل هذا الفهم الايماني جهل وأحلام، هي الأوهام حين يعلق بعضهم الطاعة على استكمال القدرة عندهم على وجه خيالي، كمن يعلق الجهاد على بلوغ المسلمين قدرة الكافرين بل والزيادة عليهم فيها، وتصور حدوث هذا بعيداً عن المدافعة ابتداءً بقدر الوسع الذي تملكه وهم لا وجود له، وضرب من ضروب الجهل في سنن البناء والمدافعة، فإن القدرة تبنى من خلال حركة المدافعة، وتتصاعد بطريق سنني في داخل الحياة لا خارجها.

﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾

منشأ السخرية احتقار واستصغار الآخر، فإن سخر من عمله فهو دال على احتقاره وتسفيه عمله، فالمنافقون سخروا من فعل المتصدقين، أي استصغروا وسفهوا واحتقروا عملهم، وهذا الفعل منهم منشؤه جهلهم بمعاني الأعمال في نفس الله تعالى، ذلك بأن الله تعالى رب قلوب، فسبحانه الغني، ولا يطلب الصدقة من العبيد لحاجته إليهم، فيفرح فرح الفقير المحتاج بالكثير إن وقع في يده، بل إنه سبحانه وتعالى يريد أن يرى قلب العبد، ومدى استجابة هذا القلب له، وهل فيه محبة ما يحبه الله تعالى، والاعمال لها قيمتان؛ أولهما بكثرتها، فإن الله يحب كثرة الذكر والصدقة والأعمال الصالحة، ودعا عبيده لهذا، والقيمة الأخرى بما فيها من إيمان وتقوى واحتساب، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أصحابه: ((دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم أو نصيفه))،وهذا لمعاني؛ منها تقوى هؤلاء في هذه الأعمال، واحتسابها فيها لله تعالى، ومنها: أنها على معنى الإمامة في الفعل كقوله

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٢١