تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إيماني يأتي من غيرهم أنه سفاهة وجهل، ومبعثه سذاجتهم وقلة وعيهم على الحياة، فليس منهم إلا حبس الخير، لأنهم لا يتستطيعونه، لما في قلوبهم من جبن المواجهة، وبخل العطاء، وفي استهزائهم هذا غطاء لما يمارسونه ويقعون فيه من الجبن والبخل، حتى يشغلوا الآخرين بالرد والدفع عن أنفسهم، أو التفسير لم لا يأتون بالأفعال الكبار، فما هم إلا فقراء ضعفاء وإنما يعذرون إلى الله تعالى.

دوماً يقول هذا المنافق: انظر إليهم ماذا يفعلون، لو كنت أنا لرأيت فعلي، والذي يفعله المؤمنون هو وسعهم بما قدروا عليه من طاقة، وبما هو مأذون سنني قدري فيه، لكن المنافق يحبس قدرته التي لديه، ولا يتقي الله في اعذار الآخرين بأن هذا وسعهم.

أما إن أتى الفعل كبيراً فحينها الطعن في النيات، وقذف ما في القلوب من المقاصد، وأنه ما قصد منه إلا الاستعراض واظهار الذات، فلا مفر للمؤمنين من هذه الألسن الخبيثة، فالفعل القليل لا نفع منه، اذ لو تركه صاحبه لما حصل نقص، والفعل الكبير لصاحبه نية سيئة غير مخلصة.

هذا الشر في تفسير أفعال المؤمنين مضطر لكل ما يقولون به من الطاعات، فهو منهج متبع وسبيل مسلوك، وما على المؤمنين إلا الاعراض عنهم، والاستعانة عليهم برب العباد.

منهج الهدم والتدمير بحجة النقد والتقويم، وسمة القعود عن المكارم، والغاء صفة الخير عن الآخرين، لعلّ الناس يأتون إليه طالبين منه قيادة السفينة، وادارة المعركة، ولكن هيهات وقد قال الله لرسوله ((فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم))،فإن من يخضع لابتزاز هؤلاء عاص لله، مفسد لطريقته وعمله، ومن عجيب الأمر أن هذه الكلمات الكبيرة لا تجدها إلا عند أصحاب الارادات الميتة والعزائم الواهنة، لأن هؤلاء يتكلمون في الفراغ، فلا واقع عاشوه ليعلموا صعوبة البناء والفعل، ولا من مُراجع لأقوالهم بعد ذلك ليحاسبهم مقارناً بين هذه الكلمات وقلة الأعمال، وستجد من الجهلة الحالمين من يستجيب لهم، ويتأثر بإشاعتهم.

هذه نفوس تتقن رصد الآخرين بالشر، وتلمح بوادر الأفعال، فتلاحق كل خطوة، وهي تجلس بعيدة، مختبئة وراء جبنها وبخلها، حتى إذا وقع فعل يكشف تخلفهم ونكوصهم أطلقوا كلمات العفونة ليطمسوا صورته الجمالية، وليذهبوا عنه بهاء النور الذي يحقق الاقتداء به من قبل الآخرين، فتتلاشى حالة المقارنة بين نور الفعل الايماني من غيرهم وبين ظلمة النكوص من أنفسهم، ويحل محلها صور أخرى منها: المدافعة عن صحة الفعل القليل أو الكثير، وخوف الكثيرين من تهمة الرياء بممارسة المنع والترك للفعل، واستحياء صاحب القليل وانزوائه عن المبادرة، فتتكرس حقيقة المنع، وتنتشر مبادئ الانزواء، وحينها لن يسكت هؤلاء، بل لهم سيوف شر أخرى، لأن الشر لا يسكت حتى يحكم قبضته، فالشيطان لا يسري إلى الناس دفعة واحدة، بل هو يتقدم إلى مراده من خلال خطوات متتابعة كما قال تعالى ((ولا تتبعوا خطوات الشيطان))

منافقون وعدوا الله لئن أعطاهم سيتصدقون، فبخلوا، فتقدم الذين لم يروا العطاء مشروطاً بالغنى، بل هو بما يملكون في هذا الحال الذي دعوا إليه، فلم ينتظروا غنى للصدقة، لأنهم ((يسابقون في الخيرات))،ويقتدون بسيد الكرماء في تاريخ أئمتهم؛ ابراهيم الخليل حيث قال الله تعالى عنه ((فراغ إلى أهله))، فاجتمع في هذا القول صفات، أنه ذهب روغاناً أي مسرعاً وبكتمان، وذهب على هذه الصفة إلى أهله لا إلى غيرهم، وهذه صفة عطاء الصادقين، فمشوا على سننه، وهي صور قرآنية تعرض للمؤمنين حتى يحصل لهم المقارنة بينهما، فالمؤمن ينفق مما آتاه الله على قدر ما عنده، قليلاً

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٢٠