الله هذه الأمة بأن منع عنها هذه الآيات كما قال تعالى ((وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً))، هذا النوع فيه معنى الاستهزاء والمكر، ولما يقع معنى المكر بربنا سبحانه وتعالى، وكذلك الاستهزاء فإن هذا شديد أكثر من غيره في المعنى، ولذلك علق الله هذا الحكم القدري بقوله ((بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون))، ولذلك من سمات هذه الأمة العظيمة أنها لم تطلب آية كما سألت الأمم السابقة مع قوله صلى الله عليه وسلم عن أبيه الخليل ((نحن أحق بالشك من ابراهيم)) وذلك لقول الله تعالى عن خبره ((وإذ قال ابراهيم ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)).
اضاءة:-
اعلم أخي أن كل الأخبار الواردة في هذه السورة عن أسماء المنافقين لا تصح، فإن التحقيق الحديث يثبت ضعف ونكارة كل الأخبار، ولم يصح في أسماء المنافقين التي وردت بها الأخبار إلا اسم عبد الله بن أبي بن سلول، وأما خبر ثعلبة بن حاطب فهو خبر منكر لا يساوي الحبر الذي كتب به، وكذلك ما ورد من اسم الجد بن قيس، ونبتل بن الحارث ورفاعة بن رافع، فكلها أخبار لا تثبت من الجهة الحديثية، ومما يجب على المدرسين والوعاظ والخطباء أن يتجنبوا ذكر هذه الأخبار وهذه الأسماء، فإن في ذلك اساءة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتهام لأسماء معينة منهم بالنفاق دون دليل يصح، ولا يجوز لأحد أن يحتج بأن هذه الأخبار مذكورة في كتب التفسير والتاريخ والسيرة، لأن هذه الكتب لم يلتزم أصحابها الصحة، وهم قد أعذروا إلى الله بذكر الأسانيد، فدلّ هذا أن هذه الكتب موكولة لأهل العلم بالأسانيد الذين يقدرون على تمييز صحيحها من غثها. أما أن يأخذها كل أحد فيرويها للعوام على وجه الثبوت فهذا لا يفعله الأتقياء ولا العلماء، فوضع هذه الكتب على هذه الصفة؛ أي روايتها بالأسانيد، يعني أن المقصود بها هم أهل العلم لا العوام والجهلة، وما الواعظ والخطيب فهو يلقي كلامه على كل أحد، فيأخذه السامعون على جهة التسليم بلا تمحيص، وهنا يظهر الفرق بين ما فعله أهل العلم من رواية هذه الأخبار بالأسانيد وبين غيرهم ممن يلقيها على وجه التصحيح لها.
﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم، استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾
المنافق بخيل، يمنع ماله ولا ينفقه إلا على ما يحقق له مقاصده الدنيوية، فهو لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وهو يرى في حبسه المال قيمة لنفسه، وأهمية لأفعاله ولذلك فهو يجزم في نفسه أنه يملك قراراً في حركة الجهاد، فإن رأى في المؤمنين حاجة وفاقة في جهادهم فإنه يزداد تيهاً في نفسه أنه هو من يملك إزالة هذه الفاقة عنهم، فإن رأى غيره قدّم القليل من وسعه وطاقته استهزأ به، وذهب يرميه بقلة النفع فيما يعمل، وجعل بعد ذلك يطعن في نيته، فإن روجع لم أنت لا تسدّ الخلة والحاجة جعل يلقي عليهم كلام الفخر الذي ينطوي على إدراكه الأكبر، وفقهه الأعظم أنه على غير ما يفهم هؤلاء المساكين من الناس، كما قال تعالى ((وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)) والايمان هنا ليس قاصراً على الاعتقاد، بل هو العمل الايماني كذلك، فهم يتهمون أي عمل