المجاهدين رميهم في المهالك، وهناك من يرى كل يوم آيات الله في النصر والتأييد فلا يزداد إلا بعداً، وهكذا تمضي الحياة، فإن الذين يعارضون الجهاد اليوم لو عاشوا زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا هم هم كما هم الآن، ولو عاشوا زمن خلافة أبي بكر لكانوا كما هم الآن، ولو عاشوا زمن صلاح الدين لكانوا كما هم الآن، ولذلك فقول بعضهم إن الجهاد اليوم ليس هو جهاد السابقين هو قول جاهل، لأنهم يفهمون أخبار الجهاد عن السالفين بمعزل عن الحياة، فيرونها لقطة ثابتة فيها البسمات، كما هو حال الجهاد عندما من تسمع أخباره فقط، فلا يقال إلا الكرامات، وحكايات الشجاعة والعطاء، فإن حصل أن رأى أمثال هؤلاء الجهاد أو عاشوه غمرتهم الظروف السننية المحيطة بهذه الكرامات وحكايات الشجاعة، فطمست بصيرتهم عن رؤيتها لاستغراقهم بالآلام والغمرات والمشقات، وإن قيل لهم متى الجهاد؟ ذهبوا يسوّفون حتى تأتي الظروف الملائمة له كما يزعمون، وهذه الظروف لا وجود لها أبداً في هذه الحياة، بل هي خداع داخلي في عقول أقوام شعراء، يهيمون في وديان الأوهام والأحلام والصور الجميلة، والكلمات الكبيرة التي تطرب الآذان، وشتان بين عقل شعري وعقل سنني جهادي.
هؤلاء الذين علقوا الصلاح بعد الغنى لن يصلحوا، لأن الصلاح ارادة ضد الظرف الذي أنت فيه، فهو تحد لكل الظروف، وهو حالة إيمانية تتلاءم مع النفوس الصادقة في كل حال، سواء كانت مما تحبه النفوس أو تكرهها.
فإن قيل لك لا جهاد إلا باجماع الأمة، فاعلم أن قائله يقول وبصراحه: لا جهاد أبداً.
وإن قيل لك لا جهاد إلا بأمير عامة فاعلم أنه يقول إن جهاد الأمة المسلمة في أغلب عصورها لم يكن جهاداً عند هؤلاء.
ولذلك فكل من قال إن الجهاد ليس اليوم بل هو في الغد، لأن الغد أفضل، فهو ملعق للجهاد في أحضان خَلَفٍ له سيقولون قوله في الغد، وسيكون الغد في الحقيقة قيام الساعة.
﴿فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾
هذا حكم قدري في هؤلاء أن لا توبة لهم من هذا النفاق الذي فعلوه، فارتد حكماً على قلوبهم، وسبب هذا الحكم الخاص في هؤلاء دون غيرهم من المنافقين أن نفاق هؤلاء له خصوصية الشر، فإن الله تعالى لم يحجب التوبة عن المنافقين، وفي هذه السورة ((التوبة)) ذكر توبة المنافقين فقال ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم)) وقال عن آخرين أكثر شراً منهم ((وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم)) وقد تقدم في سورة الأحزاب قوله تعالى ((ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً)) وقال سبحانه في سورة النساء ((إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً، إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً، ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً)).
لكن شر هذا النوع من النفاق يستحق هذا الختم الالهي على قلوب أصحابه، لأن من سنن الله تعالى أن يعذب من علق إيمانه على آية أوفعل ثم حصلت له هذه الآية أو هذا الفعل فلم يؤمن، ولذلك فإن الله تعالى قال لعيسى بن مريم عليهما السلام حين سأل ربه المائدة بسؤال الحواريين له: ((قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين))،وهذا ما وقع مع أمم كثيرة طلبت الآيات فلما جاءتهم كفروا فكان عاقبتهم الهلاك، ولذلك رحم