تعالى، وقد وقع فيه بعض الجهلة، حيث أجاز بيع المخدرات لجنود الكفار لإفسادهم، وهذا لا يقوله فقيه يعلم دين الله تعالى، وهذه الصورة تختلف عن عدم منع المسلمين لهم من الوقوع في هذه الآفات، لأن الفرق واضح بين أن يبيع المسلم الحرام بنفسه، وبين أن لا يمنع من وقوع الكافرين به.
وفي هذه الآية تنبيه على مفسدة خطيرة، هي من أشد الآفات في الأفراد والجماعات وهي آفة التسويف حتى يحصل حال آخر، ومثل هذا الحال قد لا يأتي أبداً، وغالب ما يضيع الكثير من الخير على المسلمين سببه هذا المرض، فهذا يريد أن يحفظ كتاب الله تعالى، ولكن هو ينتظر أن يأتي اليوم الذي يفرغ لهذا الأمر فراغاً تاماً، وهذا حلم جميل لكنه لا يكون، وآخر يريد أن يطلب العلم لكن ينتظر أن يفرغ من بعض شؤونه الحياتية، وهذه الشؤون كلما حصل بعضها جر بعضاً آخر، وآخر يريد أن يجاهد لكن يعترضه بعض الأمور فينتظر انقضاءها ولا تنقضي، وآخر ينتظر زمناً قادماً يكون فارغاً للعبادة وقراءة القرآن وقيام الليل، وهذا الفراغ لا يأتي أبداً، وطالب علم يريد أن يكتب كتاب علم يراه نافعاً لكن يؤجل ويسوّف لأنه يريد أن يبدأ فيه باستجماع ارادة قوية وسينتهي منه متواصلاً بدل أن يكتب فيه كل يوم صفحات قليلة، والحلم يبقى ولا تأتي هذه الارادة التي تحصل له مراده.
هذا مرض يعترض الارادات، وسببه عدم فهم سنن الحياة، فحين تقول لك نفسك: أنت الآن متعب، ولو قمت لتحفظ حزبك من القرآن فلن تستطيع، ويكون حزبك ربما ورقتين أو ثلاثة، فغداً تكون نشيط النفس، قوي الإرادة، مرتاح البال، فستحفظ خمس صفحات أو ست، فحين تحدثك نفسك بهذا فتستجيب لها فاعلم أنك وقعت في مصيدة الشيطان، فسيأتي غد، وستقول نفسك لك ما قالت لك اليوم، والطريق السديد هو أن تقوم الآن من فورك وتقبل على حزبك، وما ستأتي به سيكون خيراً، فإن جاء غد، وكنت كما تؤمل وترجو حفظت كما تحب، مع أن هذا في أغلبه يكون وهماً، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قليل دائم خير من كثير منقطع.
يفسد ارادات الناس التسويف، ويَصْنَعُ التسويف الجهل بسنن الحياة وصناعتها وبناء الأعمال، ومما يجذر هذا المرض الحكايات الباطلة، أو عدم فهم الأخبار الصحيحة والحكايات الثابتة، فإن الكثير من الناس يفهم الأحداث منبة عن واقعها ومحيطها، إذ يتصور وقوعها هكذا دون أن يحيطها حياة سننية تعيشها أنت ويعيشها الناس من حولك، فإنه لا يوجد حدث بلا حياة سننية فيها الكبد والتعب، مهما كان هذا الحديث جميلاً، وحين يساق الخبر على وجه غير سنني، أو أنه هو كل الحياة فاعلم أنه كذب، فاحذر من أن يفسد عليك فهمك لسنن الحياة، واعلم أن ما تعانيه أنت في عمل من الأعمال هو ما يعانيه كل أحد، وأن ما تلاقيه من ظروف هي في الحقيقة سنن هذا الحدث الذي لا تنفك عنه، فالحياة بسننها ليست لقطة تسجل صورة على ورقة يبتسم فيها صاحبها، دون أن تعلم ما هو الحدث الذي سبقها، والحدث الذي بعدها، بل عليك أن تعلم كيف صنعت هذه البسمة في هذه اللحظة، لأن ما وراء هذه البسمة الشيء الكثير من سنن الحياة التي أدت إليها.
تخدعك نفسك حين توهمك أن يوماً قادماً هو أصلح وأفضل للقيام بطاعة من الطاعات، بل سيكون الغد كاليوم سواءً بسواء، ولذلك قم الآن من لحظتك، وأقبل على طاعتك، وكما قال الحبيب المصطفى ((استعن بالله ولا تعجز)).
في باب الجهاد في سبيل الله تعالى، هل تظن أن ظرفاً آخر سيكون حال الناس فيه مع الجهاد أفضل مما هم عليه الآن؟ إن قلت نعم فأنت مخطئ، فقد تبين لك فيما قرأت من أوراق في هذا الكتاب عن حال الجهاد أن كل ما تراه في واقعك كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهناك المجاهدون، وهناك المنافقون، وهناك الظروف الشديدة، وهناك الأعداء الأقوياء الأشداء، وهناك لحظات القروح، وهناك لحظات النصر، وهناك الشهداء الذين ترتفع أصوات البعض ناعية على