تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا لا يعني أن هذه المؤسسات وهذه التجارب الاسلامية خطأ وانحراف، لكن الخطأ اعتبارها وسيلة من وسائل تحقيق الخلافة في الأرض، أو مقدمة من مقدمات الوراثة، ويزداد انحراف أصحابها عندما يعتبرونها بديلاً سليماً عن جهاد الطواغيت، وأما أنها صواب فهي عمل من اعمال الخير إن أخلص أصحابها لله تعالى، وأدوا العمل فيها على وجه العدل والكفاية، ولم تتحول إلى مؤسسات خاصة لخدمة أحزاب، أو عائلات، أو أشخاص، ولكن للأسف أن هذا هو الغالب وقوعه في هذه المؤسسات الخيرية والمالية والاجتماعية، مع أن الكثير منها كذلك له جهود في الدعوة وخاصة في البلاد النائية والفقيرة، والتي تتعرض إلى هجمات تبديل الدين، وأصحاب هذه المؤسسات فيهم دين وغيرة وصلاح، نحسبهم والله حسيبهم، ومن استمع إلى تجاربهم علم قيمة ما يقومون به، ولكن علم كذلك قلة صبر وكسل المنسوبين للمعاهد العلمية في الثبات معهم في أماكن الصبر والاحتساب، فتجد الآلاف من هؤلاء يكدسون في مناطق المركز، يصارع بعضهم بعضاً على المساجد والمراكز الكبيرة، ولو نفروا بصدق واحتساب وزهد ورغبة في الدار الآخرة إلى تلك الأماكن حيث الجهل وقلة العلم، فعلموا الناس، ووقفوا أمام تنصيرهم وردتهم، لحصل بهم الخير الكثير، لكن صحت النبوءة أن أكثر منافقي هذه الأمة هم قراؤها، فإن الواحد منهم لا ينفر للدعوة إلا بأجرة مرتفعة، وشروط خاصة تحصل لهم رغد العيش، فهي رحلة قصيرة لمتع قادمة بعدها.

وقد ظهر كذب الذين قالوا إننا نريد الطبيب المسلم لخدمة الاسلام، ومثله المهندس، وغير ذلك من التخصصات فلما احتاج الناس إليهم في مواطن البلاء لم تجد نافراً منهم إلا القليل ممن لا يزيدون عن أصابع اليد الواحدة، ومن استجاب إنما استجاب بعروض خاصة تغريه للنفير والاستجابة، وسيرى الناس صدق هؤلاء عندما يقام حكم الاسلام في مناطق البلاء كما هو شأن المدينة النبوية زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث لا يجد المهاجرون لقمة الخبز ثلاثة أيام، وحيث لا يستطيع المصلون القيام في الصلاة من الجوع، حينها سيعرف الناس الصادق من الكاذب، ويظهر من عاهد الله فصدق، ومن عاهده فكذب.

﴿لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾

أما اشتراطهم الصدقة بعد الغنى فمفهوم، لأن الصدقة لا تكون عن ظهر غنى، لكن لماذا علق هؤلاء الصلاح على حصول الفضل؟

هذه مقدمة شر في الخطاب منذ الابتداء، ومؤذنة بأن القوم يعبدون الله عبادة التجار، حيث يعلقون عبادتهم لربهم على حال معين، يحبونه لأنفسهم، كالغنى والصحة، فإن أصابهم ضد ذلك أعرضوا واعترضوا، وهذه عبودية غير خالصة، فإن العبودية الخالصة أن ترضى ما قسمه الله لك، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الرضى مستحب، لكن الصبر واجب، وهذا الذي عليه الأدلة، ولكن السخط على الله كفر، أما إن كان هذا الرضا هو منازعة القدر بالسنن القدرية المشروعة فهذا جائز، وواجب في بعض صوره، فرد الكفار واجب، ودفع الصائل واجب، وهذا كله من منازعة القدر بالسنن القدرية، وهذا معنى قول بعضهم ((نازعت أقدار الحق بالحق للحق))، وهي كلمة صحيحة.

لكن تعليق الصلاح والعبادة على حصول حال معين غير مرضي عند الله، وهو عين ما قاله أخوة يوسف عليه السلام وعليهم: ((اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلو لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين))،فإن من يسلك هذا السبيل لا يحصل له الصلاح أبداً إلا أنه يتوب، فإن دفع الأقدار بالمعاصي من أجل الطاعات لا يفعله إلا جاهل بالله

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤١٦