هذا كشف آخر للمنافقين، وهم على سنن السابقين في البخل، وقد رأيت كيف يتكرر ذكر البخل بصفته سمة جلية واضحة لهذه الجريمة البشرية وهي النفاق، وقد جعل الله هذه الآية البخل منبت النفاق، وسببه، وضرره الذي يؤصل له وذلك في قوله تعالى ((فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه)).
والصفة الجلية الأخرى للنفاق هنا هي اخلاف الوعد الذي قطعوه على أنفسهم مع الله تعالى، فإن عهد الله كان مسؤولاً عند المحن والابتلاءات، أيصدق صاحبه أم يخون ويخلف، والمرء المؤمن العالم يسأل الله العافية فيما هو فيه، ويتقي بالوسيلة التي قدّرها الله له، سواء كانت فقراً أم غنى، وخير حال المرء الكفاف في هذا الباب، فلا فقر يؤدي إلى سؤال الناس، ولا الغنى الذي يرهقه أو يفتنه، فإن العبد لا تزول قدماه حتى يسأل عن ماله، من أين أتى به، وفيما أنفقه، ولذلك فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة عام كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمن العاقل لا يعرض نفسه للفتن، بل يسأل الله السلامة فيما هو فيه، ويجتهد وسعه أن يكون تقياً على ما قدّره الله تعالى من الأموال، فإن المرء مدرك بقلبه فيما هو فيه، ولا يدري كيف سيكون هذا القلب إن تغيرت الأحوال، هذا مع عهد المؤمن مع الله أن يكون له عبداً على كل حال كما وصف الله عباده بقولهم ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)).
هؤلاء المنافقون لم يكن نفاقهم نفاق اعتقاد، فهم يدعون ربهم، ويعادونه، ولكنهم أخلفوا وعدهم وعهدهم مع الله، أي كان نفاقهم عملياً، وجعل الله مستقره في قلوبهم، وهذا يثبت ما تقدم من تفسير معنى الكفر القولي والكفر العملي، فإن هذا الكفر ومثله النفاق لا يكون إلا بعمل قلبي، ولكن ليس عمل القلب هو الاعتقاد فقط، فكون النفاق قولياً أو عملياً لا يعني أنّ القلب بريء منه، بل لا يكون عمل ولا قول إلا بعمل قلبي، لأن العمل قدرة وإرادة، والارادة عمل القلب وتنشأ بالحب والبغض أي بقوة الدافع، وبالعلم، فالعلم وقوة الدافع هما مكونا الإرادة، وكل هذه أعمال القلوب، فإن قال المرء قولاً أو فعل فعلاً إنما يعمله قلبه قبل القول والفعل، ثمّ إن العمل والقول يمدان القلب بآثارهما الصالحة إن كانا صالحين، وآثارهما الضالة إن كانا فاسدين، والعلاقة بين القلب والجوارح كعلاقة القلب بالشرايين، فضعف أحدهما ضعف للآخر، وقوة أحدهما قوة آخر.
فهؤلاء المنافقون أخلفوا الله بعملهم، وهو عمل من أعمال النفاق، ثمّ هذا العمل أورث نفاقاً في القلب، وقد سمى الله قولهم حين قالوه كذباً فقال ((وبما كانوا يكذبون)) فهما جريمتان: الكذب حين القول، واخلاف الوعد حين حصول الشرط، ولذلك فقد يظن ظان أن الله قد خُدع حين قالوا عهدهم ووعدهم، فردّ الله هذا الجهل بقوله ((ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب)) فهو سبحانه وتعالى عالم بما أسروا من الكذب، وعالم بما سيقع بعد حصول الشرط وهو الغنى والفضل، فهذه فاصلة قرآنية تقطع هذه الظنون بالله تعالى، ذلك بأن الله لما أعطاهم ما أعطاهم من الفضل والغنى إنما هو يعلم كذبهم بالوعد ابتداءً، ويعلم خيانتهم للوعد بعد ذلك.
وقد يسأل سائل: هل لعهدهم هذا أثر، وهل هو سبب لحصول الفضل والغنى؟ والجواب: قطعاً لا، فإن النذر صدقة البخيل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يرد شراً، ولا يحصّل نفعاً، ولذلك فأصح أقوال العلماء أنّه مكروه، وهو قول جماعة من أهل العلم، هذا مع وجوب الوفاء به إن وقع وجوباً بلا خلاف بين أهل العلم لقوله تعالى عن المؤمنين ((يوفون بالنذر))،فإن اخلاف النذر خيانة ومعصية وإثم، ولكن هذا لا يجعل النذر مستحباً كما ظن بعض أهل العلم كالغزالي من الشافعية، والمؤمن يفعل الطاعة بلا شرط على الله تعالى، بل إن الطاعات سبب حصول المطلوب