تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سيرتها، الهادية في أقوالها وأعمالها، ثم يتخذون رجالاً هم للدواب أقرب منهم للبشر، ولما خبرت حياة هؤلاء المتبوعين الجدد في المشرق والمغرب وجدت منهم سفالات يأنف منها آحاد البشر الأسوياء، ولقد ضل أكثر الشباب والبنات باتخذاهم أئمة من سقط المتاع، يعلقون صورهم في بيوتهم، ويحفظون سيرهم؛ وكيف يلبسون، وماذا يأكلون ويشربون، فسبحان من مسخ هذه العقول الجاهلة، وصيرها إلى هذا الضلال.

أما المصيبة الأكبر فهذه الفتاوى الجاهلة التي عمادها تأويل السنن النبوية حتى تتوافق مع أمزجة هذه الصور المتبعة مما يحبه الناس في أئمتهم الجدد، فحيث أحب الناس صورة من صور هؤلاء الساقطين والساقطات ذهبوا يتساءلون عن السنن النبوية التي تخالف ما هم عليه، فيقوم مشايخ الانحراف برد السنن أو تأويلها حتى تتوافق مع هذه الصور القبيحة، فالنساء يتساءلن عن نمص الحواجب، وعن العمليات الجراحية التي تسمى بالتجميلية، وعن جواز لبس ألبسة معينة، وهي أسئلة كذلك للرجال الذين فقدوا قيمة رسول الله من قلوبهم، ولو كان في قلوب هؤلاء عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظمة أصحابه رضي الله عنهم، وعظمة أمهات المؤمنين لما نظروا إلى هذه الصور الممسوخة القبيحة إلا بعين التحقير والازدراء.

﴿فإن يتوبوا يك خيراً لهم، وإن يتولوا يعذبهم عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير﴾

يتكرر في القرآن خلو المنافقين من النّصر، وذهاب الأولياء عنهم، فلا أحد يرضى عنهم، لأنهم ((مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء))، فالمؤمنون لا يرضون عنهم لمصائبهم المتعددة، سواء كانت الظاهرة والباطنة، وأما الكافرون فهم يتخذونهم مطايا إلى مقاصدهم، فليسوا عندهم بأكثر من دواب، حتى إذا قضوا حاجاتهم منهم رموهم بلا رحمة ولا شفقة، وهذه سنة تتكرر كما قال تعالى ((ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون))، فإن هؤلاء الأولياء وقت الحاجة لا ينفعون أتباعهم، وهذا في الدنيا قبل الآخرة، أما في الآخرة فقد قال تعالى في الآية التالية ((وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين))، فإنهم لا يتخلون عنهم فقط هناك بل يصيرون لهم أعداءً.

المنافقون جبناء وبخلاء، وهؤلاء أشقى الناس في هذه الحياة، والمنافقون لهم أسياد كثر ((يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم))، ومن كان كذلك لا يقر له قرار، ولا يهدأ له حال ولا بال كما قال تعالى ((ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً، الحمد لله ربّ العالمين))، فالسعيد هو صاحب الهم الواحد، وصاحب الغاية الواحدة، فهذا له سيد واحد هو الله، وله أمر واحد هو سيده، والجنة مقصده، فمعوقاتها فقط ما يؤلمه، فلا يبكي إلا على معصية، ولا يحزن إلا على فوات طاعته، أما المنافق فكل درهم له إله، وكل صيحة تذهب عقله، وكل قوي أو غني سيده، وهذه الدنيا دول، فهو كالشاة العائرة تميل لهذا مرة ولهذا مرة، ولذلك هو معذّب في الدنيا، ﴿وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير﴾.

﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنّ ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، ألم يعلموا أن الله يعلم سرّهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب﴾

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤١٣