إن من يقول هذا إنما هو مدّع، يرى لنفسه حق الاستدراك على كتاب الله تعالى ما لم يقل، وكفى بهذا جهلاً، لكن هذا لا يعني أن قلوبهم لم تكفر، بل إن كفر كلماتهم يدل على كفر قلوبهم، بل لم تكفر ألسنتهم إلا بعد كفر قلوبهم، لكن ليس عمل القلب هو الاعتقاد فقط، فإن القلب له قول وله عمل، وعمله إرادته، فإن من قال كلمة الكفر إنما قالها بإرادة قلبه، لأنه لا عمل إلا بإرادة، فمن أحب الله في قلبه، قال الايمان بلسانه، ومن هان في قلبه الله وأمره وأمر رسوله ودينه ظهر هذا الهوان على لسانه، ولذلك فإن من قال كلمة الكفر إنما قالها لكفر قلبه ابتداءً، ومن ظن أن كفر القلب لا يكون إلا باعتقاد فهو جاهل، لا يعلم معنى قول القلب ولا عمله.
﴿وهموا بما لم ينالوا﴾
لقد قالوا كلمة الكفر، وأرادوا الشر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولدين الله تعالى، فلم يعطهم الله مرادهم، وأبطل عليهم نواياهم، وذلك لما رفع الصحابة الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عملاً بقوله تعالى ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً))،فهذا هو الواجب، وهو السبيل السنني في رصد هؤلاء لمعرفتهم وتجنب شرهم، وهذا ليس من باب التجسس، بل هو من باب الشهادة التي يجب بيانها واظهارها، فإن كتمان القضايا والحوادث التي تتعلق بالأمة ومصيرها، ولها شأن عام لا خاص يكون خيانة للأمة، ونشر للفساد، وتستر على الباطل، أما المنهي عنه فهو ما يتعلق بالقضايا الخاصة التي يكتمها المرء عن الناس حياءً منهم، فهذه تكتم وتستر، لأن سترها من صاحبها على وجه الحياء إيمان، وستر المسلمين على صاحبها ممدوح محبوب عند الله، فإن من ستر على مسلم في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة.
﴿وما نقموا إلا أغناهم الله ورسوله من فضله﴾
لقد رفع الله شأن هذه الأمة بسبب دينها، ومكن للمسلمين في الأرض لما جاهد الأجداد والآباء، فلم يقع خير لهذه الأمة في دينها ولا في دنياها إلا بنعمة الله على هذه الأمة بهذا الدين ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فما نحن إلا أمة لم يكن لها من ذكر سابق، فما كنا إلا قطعاناً لا رابط لنا، وضائعي الهدف لا وجهة لنا، وأكبر الهموم هو البحث عن صيد للاكتفاء بسد الرمق، فجاء الله لهذه الأمة بهذا الدين، وتحققت دعوة الخليل وابنه اسماعيل عليهما السلام بأن أرسل فينا أحب خلق الله، وأكرم البشر في الوجود، فصارت أمته خير أمة، وبلغ ملك هذه الأمة مسير الشمس، فدانت لهم البلاد والعباد، فاجتمعوا بعد افتراق، واهتدوا بعد ضلال، واغتنوا بعد فقر، وعزوا بعد ذلة، فما من بلد استقر فيها أهلها إلا بهذا الدين، وما من ملك صار لطائفة منها إلا وكان الاسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم سببه، بل ما من بركة في بلاد المسلمين إلا بدعاء الخليل عليه السلام ((وإذا قال ابراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر)) فماذا ينقم المنافقون من هذا الدين؟
هل ينقمون منه أن جعلهم أعزة بعد ذلة، وأغنياء من بعد فقر؟
ألا لعنة الله عليهم ما أخزاهم في كل وقت، ووالله إن الزنادقة اليوم شر من المنافقين زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن المعرضين عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم شر من الحمير، فإن هؤلاء الذين يهتدون بهدي