عمران عليها السلام، وهذا يدل على تساوي خطورة النفاق بشقيه الداخليين، أي داخل المجتمع كله، وداخل الأسرة والبيت، ووجوب مجاهدة هذين النوعين من النفاق، والأمر نفسه كما في سورة الأحزاب حيث شطرت السورة إلى نصفين؛ نصف يتحدث عن الأحزاب، وهم العدو الخارجي، وشطر يتحدث عن بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضوان الله عليهن، فإن خطورة الفساد في داخل البيت للمرء المؤمن لا تقل خطورة عن فساد المنافقين في داخل المجتمع المسلم، وهما يعدلان خطورة الأعداء الخارجيين من الكفار حتى وهم يقرعون حدود دار الاسلام.
جهاد المنافقين هو عينه جهاد الكفار، فكما يجاهد الكفار باللسان واليد والسلاح، فكذلك المنافقون يجاهدون باليد واللسان والسلاح، وقصر مجاهدة المنافقين على اليد واللسان دون القتال غير صحيح، لأن الله يقول: ((لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلاً)) فإن أظهر المنافقون نفاقهم قتلوا، أما لو قيل: لِمَ لَمْ يقتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: لأنهم انتهوا وستروا نفاقهم، وقد بسطت هذا المبحث في جزء خاص منشور.
﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾
وهذا حلف آخر من أيمانهم الكاذبة، يردون بهذه الأيمان شهادة المؤمنين حين يخبرون أهل الشأن بمقالاتهم الكاذبة الكافرة.
وإن قيل: لِمَ لَمْ يقتلهم رسول الله بإخبار القرآن أنهم قالوا كلمة الكفر، أي ارتدوا؟
فالجواب:- هذا كله حفاظاً على قاعدة الشريعة أن الأحكام لها أدلة محفوطة، هي وحدها التي تطبق بها الحدود، وهي البينات التي يقضي بها القضاة، فإن القاضي بعلمه على الصحيح من أقوال أهل العلم، لكن لا يجوز أن يقضي على خلاف علمه، ومحل هذه المسألة كتب الفقه، وقد ذكرتها في المبحث الذي أشرت إليه سابقاً.
﴿ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد اسلامهم﴾
وهذا دليل أن الكفر يكون كلمة، ويكون فعلاً، ويكون اعتقاداً، فهؤلاء المنافقون كفروا بعد اسلامهم بكلمة قالوها، وقد تعدد سبب نزول هذه الآية، وتعدد أسباب النزول معروف، وله أسباب، منها: أن يتعدد سبب نزول الآية، ذلك بأنه منزل أكثر مرة، فتكون الآية حكماً يعمله الصحابه على المواطن التي نزلت فيها، فيكون ما يقوله الصحابي من الأخبار عن سبب النزول رواية على الحقيقة، ومنها أن يُعمل الصحابة هذه الآية في مواطن متعددة، ويعبرون عن هذا الأعمال بقولهم ((نزلت الآية في كذا ... )) أي إنها حكم لهذا الموطن، لا أنها نزلت حين نزلت في هذا الموطن، فيكون هذا اخباراً عن حكم لا اخباراً عن رواية، وقد اختلف أهل العلم في حكم هذا النوع الثاني هل هو في حكم المرفوع أم لا؟ والجمهور أنه في حكم المرفوع، وهو الحق والصواب.
وقوله تعالى ((كلمة الكفر)) دليل على أن اشتراط اعتقاد الكفر في الفعل والكلمة لتسمية صاحبها كافراً شرط باطل مفترى، لا يقوله إلا جاهل، ولذلك قال تعالى ((وكفروا بعد اسلامهم))، فمن أين لهؤلاء شرط اعتقاد الكفر ليحكم الله عليهم بالكفر؟!