الايمان الجماعي إلا بهذه الصفة، أي رعاية قضايا الأمة قبل قضايا الفرد، بل لا يتحقق صلاح الفرد إلا من خلال صلاح محيطه، أو صراعه مع المحيط المناوئ له، أما الانتكاسة نحو الداخل في داخل المحيط المعادي للإيمان وصفاته فإن مآل هذا الايمان إلى الضعف والهزيمة.
تقدم شيئاً من سبب ذكر هذه الفاصلة القرآنية ((إن الله عزيز حكيم)) بدل قوله ((غفور رحيم)) في ذكر سياق الرحمة على المؤمنين مقابل إيمانهم وأعمالهم، وهناك سبب آخر يتعلق بكون الحديث هنا عن الجماعة المؤمنة، فإن الايمان هنا في هذا السياق ليس حالة فردية، بل حالة جماعية، ولذلك قدِّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصلاة والزكاة, وهذه الجماعة بهذا المفهوم في حالة مدافعة مع الشر، سواء في منعه، أو في إزالته، والعاقبة في هذه المدافعة هي النصر، فكان معنى الرحمة هنا في قوله ((أولئك سيرحمهم الله)) هو النصر والعاقبة، وهذا يقتضي هذه الفاصلة الملائمة لهذا الوعد وهو قوله ((إن الله عزيز حكيم)) كما قال في سورة الفتح ((ومغانم كثيرة تأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً)) وكما قال في سورة الأنفال حين ذكر مكر المنافقين ((اذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم)) أي ناصر المؤمنين برد كيد ما يقوله المنافقون إن توكل المؤمنون على الله.
والمناسبة بين ذكر هذه الفاصلة هنا، وذكر الفاصلة في الآية الثانية ((ذلك هو الفوز العظيم)) هو عين ما قاله تعالى في سورة الصف ((يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين)) وكذلك قوله في سورة الفتح ((ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيآتهم، وكان ذلك عند الله فوزراً عظيماً، ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات)). أي هنا وعدان للمؤمنين، أولاهما: النصر والتأييد والغلبة على أعدائهم، فهذا أمر يلائمه الفاصلة القرآنية ((عزيز حكيم))، لأن الموطن موطن عزة، والله عزيز في نفسه، ويعز من يستحق ذلك، فهو حكيم في وضع هذه العزة موطنها، وأما الوعد الثاني فهو دخول الجنان، وهذا هو الفوز العظيم، وذكر الضمير هنا في قوله ((ذلك هو الفوز العظيم)) للتأكيد لما في هذه الآية من زيادة ذكر الرضوان، والذي هو أعظم النعم لأجل الجنة.
﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير، يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم وهموا بما لم ينالوا، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله، فإن يتوبوا يك خيراً لهم، وإن يتولوا يعذبهم عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير﴾.
في وسط أخبار الله تعالى عن المنافقين، وفضحهم، وكشف أقوالهم ومواقفهم يكون الحل القرآني لهم، فهم أعداء الداخل، كما أن الكفار أعداء الخارج، فكلاهما له حل واحد، هو الجهاد في سبيل الله تعالى، وتوجه الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا يدل على عظم هذا الحل، وشرفه، وخطورته كذلك، وقد وردت هذه الآية ((يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)) هنا في سورة التوبة، ووردت مرة أخرى في سورة التحريم، وهي سورة افتتحها الله بقوله ((يا أيها النبي لم تحرم ما أحلّ الله لك)) وفي سورة التحريم علاج لقضية تتعلق بالبيت وداخله، وكان مثال الكفر المضروب هو زوجة نوح ولوط عليهما السلام، ومثال الايمان المضروب هو امرأة فرعون عليها السلام ورضي الله عنها، ومريم بنت