في هذه الآيات ذكر خصائص انهيار المجتمعات من الداخل، ومن خلال ممارساتها وأفعالها، وهذا غير قضية الكفر بالله ورسله، فإن الحديث في هذه الآية ((كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا)) يدور حول مجتمع مطلق، سواء كان مسلماً أو كافراً، تحصل فيه هذه الأمور فيكون سبب هلاكه ودماره، وهذه القضايا هي قضايا إيمانية، لأن الإيمان قول وعمل، لكن هي تنشأ في مجتمع مسلم فيهلك بسببها، ولا يحميه كونه مسلماً من هذا الدمار إن وقعت فيه، وهي سيرة الله تعالى في الأمم، وهذه القضايا هي انتشار ثقافة وممارسة المتعة، وقد فسّر السلف قوله تعالى ((بخلاقهم)) أي بدينهم، والدين هنا في كلامهم لا يعني أبداً ما يقال له الاعتقاد، ولكن يعني الممارسة والفعل كما قال تعالى في سورة يوسف ((ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك)) أي في شريعته، فغلبة مفهوم المتعة في مجتمع من المجتمعات، ثم سقوط قيم الخطاب في الثقافة مؤذن بحصول الدمار لهذه المجتمعات، بغض النظر عن كونها مسلمة أو كافرة، وهذا من تمام عدل الله تعالى في اضطراد سننه وعدم تبدلها، ولذلك قال سبحانه وتعالى ((فما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)).
ثمّ إن في هذا نذارة لأهل الايمان من أن يغلب هؤلاء المنافقون عليهم، أو أن ينشروا فقههم ودينهم وثقافتهم، لأن المنافقين إن غلبوا أعملوا ما قال الله فيهم ((يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف))
((أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون))
حبوط أعمال المنافقين في الآخرة مفهوم لخلوه من الإيمان بالله والدار الآخرة، أي خلوه من الاحتساب، أما حبوطه في الدنيا، فهو بما يحصّل هذا السبيل من نتائج مدمرة على المجتمعات والأشخاص والأمم، فإن الدارسين لظاهرة صعود الأمم وهبوطها يؤكدون أن الأمم تسقط بانتشار "دين المتعة"، فمهما بلغت الأمم في مجال القوة والمال، والعتاد والرجال فإن انغماس أهلها في هذا المستنقع مؤذن بحبوط وهلاك أي توجه يسعون إليه، وأي مراد لهم سيرتد عليهم فساداً ودماراً، ولعل سقوط دول الطوائف في الأندلس خير مثال على هذه القاعدة في داخل التاريخ الاسلامي، أما في التاريخ الانساني فإن كل الحضارات كان هذا هو سبب انهيارها، سواء اليونانية أو الرومانية أو الفارسية، وسيشهد الناس سقوط أمم وحضارات قريباً بإذن الله تعالى، وسيفرح المؤمنون بنصر الله تعالى.
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم، وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾
هذه مقومات البقاء الحضاري في ما يخص البناء الداخلي؛ فأول صفة هي الإيمان بالله تعالى، وحين يكون الإيمان فاعلاً فإنه ينتج المقومات الأخرى، ذلك لأن الايمان ليس حالة شعورية داخلية فقط، وليس ذوقاً معرفياً يعيشه صاحبه بلا عمل وسلوك، وقد قدّ الله أثر الايمان على المحيط على أثره على الداخلي، فقال ((بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)) ثم قال ((يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة)) وهذا مضطرد في القرآن إن كان الحديث عن فقه الجماعة والأمة، فقد قال سبحانه وتعالى ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله)) وهذا دليل على أن الايمان فعل نحو الخارج، ولا يمتحن صدق الايمان إلا بهذا، ولا يتحقق