تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي تمام الصورة، ملأ ثري يستمتع بشهوته، وطائفة كلام تستهزئ وتُضحك الملأ والناس على الله سبحانه ودينه ورسوله والمؤمنين، وحكام كفرة، يعطون الملأ ما يريدون من الحماية، ويأخذون منهم ما يحقق متعهم، وأكثرية تابعة جاهلة ضعيفة قبلت الهوان، وترجو أن تصبح من طائفة الملأ، أو أن ترضى عنها طائفة الملأ والحكام، وهي لمن تأملها هي حال المسلمين اليوم، ولولا أهل الجهاد وأحبابهم والمصلحون من الدعاة لحق العذاب كما قال تعالى ((فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم، واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)). فتأمل هذا القليل الذي يُصلح، وليس صالحاً فقط، وتأمل هذا الكثير المترف، وهو أهل الإجرام.

إن الخطورة ليست في الفساد، لأن الفساد لا ينتهي من الأرض، ولكن الخطورة أن يكون الفساد حاكماً، أو متبعاً، فيفشو ويكثر، ويُحصر الصلاح، ويحارب ويضايق أهله، ولذلك كان من الخطورة أن يغلب المنافقون على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما يحذر القرآن منه، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث.

وقد تقدم أنّه لخطورة الملأ والقيادة فقد كان الرسل يتوجهون بالدعوة إليهم، ويكون الصراع دوماً بينهم وبين هؤلاء، مع أن الذين يأتون للدعوة في الأغلب هم الضعفاء، ومن غرائب الدعاة اليوم أنهم لا يتوجهون في الخطاب إلى هذه الطبقة، بل يرونهم غير معنيين بالدعوة، وقد صار من فقه بعضهم أن الحاكم لا يصلح إلا بعد اصلاح الناس والأتباع، ولضعف فقههم بالقرآن فإنهم يتصورون أن مسيرة الدعوة تبدأ من القاع إلى القمة، وبعضهم يعبر عن هذا بأن مسيرة الإصلاح تبدأ بالفرد ثم بالأسرة ثم بالحي ثم بالمجتمع ثم بالدولة، وهم يظنون أن الحسابات الرياضية تصلح للقوانين الاجتماعية، وكل هذا لا يشهد له القرآن، ولا طريقة الأنبياء وقصصهم، فإن كل الأنبياء كان صراعهم منذ البداية مع الملأ، وهي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، ومن خلال هذا الصراع يأتي الأتباع والمهتدين، وتنشأ المدافعة حتى يحكم الله بين الطائفتين بحكمه، ومنشأ خطأ هؤلاء هو ظنهم امكانية تجنيب الدعوة المواجهة مع الملأ والطبقة الحاكمة والفراعنة، لأن توجه الدعوة إلى هؤلاء يحمل في داخله المواجهة لما يفقه هؤلاء الخبثاء أن الدعوة تستهدف ألوهيتهم على الخلق، وأن حقيقتها تقويض لسلطانهم الباطل، فينصرف هؤلاء ويشرحونها على معنى السلامة وعدم الخطر على الطغاة والآلهة الباطلة، وسلطان الفراعنة، ومثل هذه الدعوة لا تحقق الوراثة في الأرض، ولا تحمل أصحابها إلى المواقع التي يعد القرآن أهله به، لأن كل الوعود القرآنية تكمن من خلال المواجهة بين الدعوتين، وبين الأنبياء وأتباعهم الضعفاء وبين الملأ المستكبرين، وقد تطورت هذه المفاهيم داخل المؤسسات الإسلامية في دور الردة ودور الكفر الأصلي، إذ أن كل ما يسعى إليه الكثيرون هو طرح اسلام خال من مفهوم المدافعة بين الاسلام وأعدائه، أي خلوه من أي حالة مواجهة، وصراع نحو الوراثة والشهادة.

لقد تكرر في القرآن المكي ذكر آيات الله تعالى في الأمم السابقة من قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابراهيم وقوم شعيب وقوم لوط، ولم يذكر أمر هؤلاء الأقوام كثيراً في السور المدنية، وهذا الموطن هنا في سورة التوبة ذكر هؤلاء الأقوام، وكان أمر ذكرهم في القرآن المكي بيّن المعنى، ذلك من أجل انذار قريش بمصائر الأمم التي كفرت برسلها، لكن ما معنى ذكر هؤلاء الأقوام في سياق انذار المنافقين والتحذير من أفعالهم داخل الصف المسلم؟

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٠٦