يظهرون أمام الملأ، ولا تخدعك مظاهرهم، وكما أن المرء يشرب الخمر لينسى ما حوله، ويهرب من واقعه، وكما أن من يتعاطى المخدرات يأخذها ليرحل عن مصائبه إلى الأحلام، فإن هؤلاء لا يفيقون من متعهم الدنيوية والشهوانية، ولا يكفون عن الخوض حتى لا يسمعون، فإن قرع سمعهم الحق يوماً تألموا، ثم صرخوا: اجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً، فيا أيها الصادق مع نفسه، والمراقب لربه، ويا أيها الراجي لقاء الله عليك بالقرآن لتعلم من هم أهله في زمانك، ومن هم أحق الناس به، وأقول لك: من جرب مثل تجربتي، وعرف مثل معرفتي أدرك أن أهل الجهاد اليوم هم أهل القرآن، وهم حملته، سواء علموا هم ذلك من أنفسهم أم لم يعلموا، ويكفيهم أن الله بهم عليم، وهو حسبهم ووليهم، فإن بقوا فهم إلى نصر، وإن رحلوا رحلوا شهداء عند ربهم يرزقون.
- كان من صفات المنافقين أنهم بخلاء، ويقبضون أيديهم عن العطاء والانفاق، ثم جاء بيان حال الأمم التي أهلكها الله مع ما في أيديهم من الأموال والأولاد، فدل هذا أن الحديث ليس عن كل الأمة، بل هو حديث عن فئة من الملأ، وهي فئة الاقطاع والمال كما قال تعالى ((وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول فدمرناها تدميراً))، وقد حذر الله من هذا الوضع فقال ((لئلا يكون دولة بين الأغنياء منكم)) ثم يسري مال هؤلاء إلى شراء ذمم الحكام كما قال تعالى ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون))، فحينها يجتمع فساد الملأ الثري البخيل المنافق، مع فساد الحاكم صاحب القوة، فيقع العذاب بعدها، ويكون الهلاك، وهذا لا يعني أبداً غياب المستضعفين، ولا ذهاب التكليف عنهم، فقد تكرر ذكر هذه القضية في القرآن كما تقدم في سورة سبأ، وكقوله تعالى ((إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار)) وكقوله تعالى ((وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار، قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد))، وهذا لمن تأمله دعوة قرآنية بعدم قبول الاستضعاف، ولا الهوان، ولا الرضوخ لاستكبار المستكبرين، وكل حجج الضعفاء التي يسوقونها لتبرير دخولهم في طاعة المستكبرين لا تقبل في سنن الدنيا، ولا في سنن الآخرة كما قال تعالى ((إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم، قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً))، فالهوان لا يجامع الإيمان، وإلغاء العقل والفكر والنظر المستقل هو سبيل العذاب في الدنيا والآخرة، ثم العجب أن يتحول عند بعضهم الضعف إيماناً، والتقليد ديناً، والغاء العقل سبيل الدخول في رضا الرحمن، بل إن الدين اليوم عند بعضهم هو اسناد قضايا الأمة إلى حكامها دون مراقبة، وإلى علمائها دون مراجعة، وإلى متكلميها دون تفكير، وهذا من أشد أسباب الهلاك والدمار، وقد أصدر دهاقنة الكفر في الغرب توصيات عدة بإعادة فقه الطاعة والتسليم، لأنهم يرون أن مشاريعهم الكافرة لا يقوم لها إلا رجال لا يلغون عقولهم لأحد كائناً ما كان، ولا يسلمون إلا للكتاب والسنة، فالحاكم إن كان مسلماً يخطئ ويصيب، وإن كان كافراً فالواجب عزله وقتله، والمفتي إن كان صالحاً يؤخذ من قوله ويرد، وإن كان على السلطان يحل ما يريد، ويحرم ما يريد فهو مرتد كافر.
وكثرة المستضعفين المتابعين للمستكبرين في الأرض ما يجعل قلة الناجين إلى الجنان يوم القيامة، وكثرة الهالكين، لأن هؤلاء هم عامة الناس وأكثرهم.