ينصره ورسله بالغيب)) فهذا هو الجهاد، كتاب يهدي وسيف ينصر كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى، والحياة لا تصلح إلا بهذين.
﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾
لقد قال المنافقون كلمات كافرة على سبيل السخرية والاستهزاء، وقد ارتدت هذه الكلمات عليهم حكماً ربانياً بالكفر، فجاءت هذه الكلمات الربانية لتبين أثر هذه الكلمات على حياة الأمم والشعوب، وأنها من أسباب الدمار والهلاك، ومن مظاهر فساد الشعوب والأمم كلماتهم التي يقولونها، وألفاظهم التي تسري في حياتهم العملية، وفي أوقات متعهم، وقد تقدم سابقاً أن هناك من رصد دمار الحضارات السابقة من خلال ((المسرح))، وما فيه من فساد، وقد توافق دمار الداخل الإسلامي مع انتشار الشعر الذي شاع فيه الغزل في الغلمان، حتى استخدمه الصوفية في شعرهم الذي يكنّون به عن الله سبحانه وتعالى، وفي هذا بيان عظيم الكلمة من شعر وأدب وقصة ومسرح، ولعل المرء يستطيع أن يرصد مقدار انحراف الأمة من خلال هذا الإنتاج، وهؤلاء الزنادقة الذين يتخفون بأسماء اسلامية يتسترون بأن الإنتاج الأدبي لا يخضع للمعايير الدينية، وكأن الكلمات لها الحق أن تكون أقوى من أمر الله وحكمه، وبهذا يصبح هذا النوع من الناس كالشعراء والكتاب لهم حصانة الكفر والشطح والإفتراء، دون رقيب عليهم، وبعض هؤلاء يجعل الطرائف لها هذه الحصانة، أي أن يقولوا ما يشتهون من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله والمؤمنين، ثم لا يحاسبهم أحد.
فبهذا تم إغلاق الحلقة في بيان سبب دمار الأمم والحضارات، حتى وهي قوية السلاح والعتاد، كثيرة المال والرجال والجنود، لكن إن دب فيها انتشار الشهوات، وانغمس أهلها فيها، وسقطت قوانين الضبط التي تحمي القيم، آل الأمر بهذه الأمم إلى الدمار والزوال.
والغريب اليوم أن الأمة وهي في حال الهوان والضعف، وفي أدنى درجات المنعة والمهابة، إلا أن قوماً فيها يسعون من أجل ادخالها في الوجود والحضور الحضاري الفاعل من خلال هذين الأمرين؛ أي الإستمتاع والخوض، وكلما ارتقى خسيس سافل في أحد هذين الأمرين إلا وصفقت له هذه الجموع فرحاً أننا دخلنا الحضارة، وبلغنا المجد، وسامينا أعداءنا حضوراً وتقدماً.
لقد دخل المال في يد هذه الأمة بلا جهد، فاغتنى أقوام كثر منها، ولكن لم يتمكنوا أبداً بهذا الغنى من جلب احترام العالم لهم، بل إن الناس ينظرون إليهم كجموع من الأغبياء الذين تفجر الذهب من تحت أرجلهم، وقد أثبت هؤلاء هذه النظرة بأن صرفوا هذا الذهب على متعهم وشهواتهم، أي أشبه بالدواب، فصار فيهم سبب قرآني للهلاك، وآخرون زعموا أنهم يستطيعون تحقيق الاحترام والشهود من خلال الأدب الساقط، والذي هو اجترار كاجترار البعير لما يقوله الآخرون، وكلما أوغل أحدهم في التقليد، وصرح بجلد قيم هذه الأمة ودينها وأخلاقها، كلما ألقى إليه الأعداء قطعة الحلوى، شأنهم شأن الكلاب التي تمتع أصحابها بحركاتها، فيقلي لها ثمن حركاتها المضحكة في فمها لتزداد عطاءً في الرقص والنّط، ويزعم هؤلاء الحمقى أنهم بهذا تترقى الأمة وتدخل التاريخ ويحصل لهم الشهود، ولا يعلم هؤلاء أنهم هم من أسباب الهلاك والخيبة، ومن العجائب أن وجود هؤلاء ممدوح، لأنهم يُفرحون الكفار بوجودهم، ووجود المجاهدين مذموم، فالأوائل وجه مشرق انساني لهذه الأمة، والمجاهدون وجه قبيح ينفر الآخرين منا.