تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قاصراً على هذا الحال، وهذا الخطأ يشبه خطأ البعض الذين يتصورون حياة الجهاد تعني ما يمارسه المجاهدون في ظرف ما، كما هو الحال اليوم حين يتصور هؤلاء أن الجهاد وهو تفجير قنبلة، أو اغتيال طاغوت عملاً بقوله تعالى ((فقاتلوا أئمة الكفر))، ومثل هذه التصورات جاهلة سواء نشأت في عقل خصم للجهاد أو محب له، لأن حياة الجهاد هي مظلة حياة المسلمين في كل ظرفهم، وسيرة الجهاد وهي السيرة التي تشمل داخل المسلمين وخارجهم، فيتخللها صلاح الدين وصلاح الدنيا، فإن كان الظرف لا يحتمل إلا صورة من صور الجهاد، لا يعني أن هذه الصورة في كل الجهاد، ذلك لأن الجهاد ثقافة، ووعي، وممارسة، وفعل نحو الداخل، كما هو فعل نحو الخارج، فلو تأمل المنصف لرأى أن الخبث الداخلي للمجتمع الإسلامي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم يقوم إلا من خلال حياة الجهاد، فهؤلاء المنافقون، وهم علة الفساد في الداخل، لم يعرهم القرآن، ولم يكشفهم، ولم يرشد المسلمين لطرائق العمل معهم إلا من خلال رحلة الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد رأينا قضية الغنائم، ومثله الفيء، وهي من أهم مصادر بيت مال المسلمين كيف تعالج داخل رحلة الجهاد في سبيل الله تعالى.

فالتاريخ يصنعه الإنسان بقاءً وفساداً، فالإيمان هو الذي يحمي الأمم والحضارات من الإندثار، وآلة الإيمان العملية لهذه الحماية هو الجهاد، هذه هي القضية، مع وعي تام أن الإيمان يتعدد، وأن الجهاد حياة.

فهذه الكلمات الربانية توجيه لأنظار المخالفين لهذا الدين، وخاصة المنافقين الذين يتربصون في الداخل فرصة انهيار المجتمع المسلم، وتحول قواه إلى وهن إلى أن انتظارهم سيطول، لأنه انتظار الوهم، وإن كان انهيار المجتمع المسلم لعوارض تاريخية وذاتية، فإن هذه العوارض هي أصلية في المجتمعات التي يرجون مجيئها، أو صعودها، وأما ما يرجونه من الاستمتاع من هذه المجتمعات الكافرة، وهو ما يفقدونه في داخل الصف المؤمن، بسبب مهمته، وواجباته في الوجود فإن هذا الاستمتاع سببب دمارهم وذهاب وجودهم.

﴿كالذين من قبلهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً﴾

فهؤلاء حازوا الأسباب المادية، من قوة مانعة، وقاهرة لغيرها، وكان معهم أسباب الاستغناء عن الآخرين؛ لكثرة الأموال والأولاد، ثمّ إنهم لم يقصروا في صرف الأموال والقوة في أسباب الاستمتاع الدنيوي، ولكن كل هذا لم يدفع العذاب عنهم، ولا منع حبوط سعيهم الدنيوي، وهذا دليل على أن الأمم والحضارات لا تبقى بمجرد القوة، ولا بكثرة الأموال والرجال، ولكنها تبقى من خلال القيم التي ترعى هذه القوة، وتدير هذه الأموال، فالتحاق المنافقين إلى صف الكفار بسبب قواهم، أو بسبب أموالهم، وبكثرة متعهم الحياتية هو سمة النفاق قديماً وحديثاً، وهو في زماننا أوضح وأجلى، لكن نذارة القرآن بزوال هذا لا شك فيه، وهو حق وكائن.

وقد تقدم أن الجهاد ليس مظهر قوة مادي، بل هو قيم، وللقيم آلة كما قال تعالى في سورة الحديد: ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله من

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٠٢