عليهم قاموا)) فهذا مثل من شك، وارتاب، فآمن مرة إن أضاء له نور الإيمان، وكفر مرة إن أظلم عليه وذهب عنه النور. وقد ناقشت هذا في بحث مستقل عن النفاق، وهو مشهور.
﴿كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم، فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، وخضتم كالذي خاضوا، أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون، ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعادٍ وثمود وقوم ابراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾
هذه عظمة التاريخ، وهي بيان جريان سننه في الأرض، وارتباط أحداثه ووقائعه بالإيمان والتقوى، وهذه من أهم قضايا القرآن الكريم، وهي إحدى مسائل الخلاف بين هدي القرآن وأقوال الجاهلية، فإن التاريخ عند الجاهليين والمشركين له دلالات باطلة، وهو عمدتهم في مفاهيم شركية، إذ يجعلون أحداثه ووقائعه لا ارتباط لها بموضوع الإيمان والخوف من الله، ورجاء الدار الآخرة، والقرآن يجعل التاريخ صورة الإيمان في القلوب، وممارسة الإنسان، طاعة لله أو معصيته، وهذا الارتباط ليس اشراقاً لا ادراك له في العقول، بل هو سنني، تدركه العقول الفطرية السليمة، والأبصار المهتدية، ولذلك هو يذكر بذلك، لتعيه هذه العقول، وهذه الأبصار، وبإدراك هذا الترابط بين التاريخ والإيمان نعلم ويعلم المهتدون صدق الرسل، وصدق الشريعة، وحين يذهب الدارسون أعمق من ذلك يدركون سنن الإجتماع والسياسة والإقتصاد، ويقع لهم اليقين بذهاب الباطل مهما علا، وبعلو الإيمان مهما امتحن.
المادة ليست ما يصنع التاريخ، لكن الذي يصنعه هو الإنسان، والذين يظنون أن الجهاد سلاحاً فقط، وقوة مادية فقط هم مخطؤون، لأن بعضهم من ضعف وعيه يظن أن الدعوة للجهاد هي دعوة لامتلاك القوة العسكرية فقط، ولاثبات صواب قولهم يمثلون بالدولة العثمانية، فإنها مع قوتها العسكرية، بل هي أول من صنع المدفع، إلا أن هذا لم يمنع تسميتها بالرجل المريض، ثم انهيارها.
هذا التفسير تسطيح لمفهوم الجهاد في الأمة، ثم هو اختزال لمفهوم الأمة ومقومات بقائها، ذلك لأن الجهاد في الإسلام ليس قوة عارية عن القيم، بل الجهاد أولاً قيمة إيمانية سلوكية شاملة لكل مفاهيم الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وما القوة إلا آلة رديفة لهذه القوة، ولكون الجهاد قيمة إيمانية يتوجه في الأصل إلى الخارج، فإن هذا يعني أن قوته الأولى ترعى الداخل وتصلحه وتقومه وتحميه، ولذلك كان جواب الأوائل حين يسألون من قبل أعدائهم عن مقصد مجيئهم، كان جوابهم:- "أن تكونوا مثلنا"، لكن حين يكون الجهاد دفاعياً لإعادة الحقوق، فإنه يشتبك مع قضايا مادية، وهي الحقوق المسلوبة، فيظهر لحظة الذروة وكأنه صراع على الماديات، وهي هذه الحقوق، وهذا الحال هو ما استغله فرعون حين جاءه موسى عليه السلام يطلب منه أن يؤمن بالله، وأن يرسل معه بني اسرائيل، فالطلب بأن يعتق بني اسرائيل من الأسر، ويرسلهم معه حق مادي، يؤدي عند فرعون وملأه إلى فساد حياتهم ولذلك قال فرعون عن موسى عليه السلام: "يريد أن يخرجكم من أرضكم"، فالدعوة اليوم إلى حياة الجهاد قد تبدو عند البعض دعوة إلى عمل جزئي في الحياة يتعلق بمطلب مادي كالتحرر من المحتل، أو دفع ضرر ما في ظرف جغرافي أو تاريخي، مما يجعل البعض يتصور الجهاد