لأن السياق يحكي عن توبة الله على الزاني والقاذف، وحكمة شرعه في ذلك سبحانه، وهذا كله تفسير لقوله تعالى ((ولله الأسماء الحسنى)).
والقصد أن المنافقين تركوا أمر الله، وأعرضوا عنه، كما أنهم يغفلون عنه لعدم اعتنائهم به، وعدم قيامهم به على وجه المراقبة، فقابلهم الله تعالى بأن تركهم في ضلالهم وغيهم، فلم يوفقهم لخير، ولم يهدهم لإيمان، ولا ساقهم لتوبة، وهذا من أعظم العذاب عند أهل الدين والإيمان، فإن ما يرجوه المؤمنون هو أن يكونوا من أوليائه، فيكون كما قال "كنت يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"، وأن ينسبوا له كما قال تعالى ((كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)).
﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها﴾
هذا دليل على أن النفاق الأكبر كفر وشرك، فاجتماع المنافقين مع الكافرين في هذا المستقر على اتحاد حكمهما عند الله تعالى، وإن كان مستقرهم في جهنم على معنى خاص للإثم ما كان عليه حالهم من معنى خاص، وهو خلاف ظاهرهم لباطنهم، وكذلك هم في النار يقول الله تعالى ((يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ينادونهم ألم نكن معكم، قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير))، فهذا من خدعة الله للمنافقين، فهم حين يطلبون النور من المؤمنين، يقال لهم ارجعوا إلى مكان تقسيم النور، فيرجعون، فلا يجدون إلا الظلمة، وهذا لما كان يخدعون المؤمنين في الدنيا.
وكون المستقر في الآخرة لهما واحد، لا يعني أن تعامل المؤمنين معهم واحد في الدنيا، فإن الناس يؤاخذون في الدنيا بظواهرهم كما قال تعالى عنهم في آية الحديد المتقدمة: "ألم نكن معكم" فأقرهم المؤمنون على هذا بما كان من ظواهرهم، وعلقوا دخولهم جهنم بما في بواطنهم من الكفر.
إضاءة:
قال ابن جرير في قوله تعالى ((المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض)) أن المنافقين صنف واحد، وهذا لأن شيخ المفسرين لا يرى تعدد صور النفاق، ولذلك فسر المثلين في سورة البقرة على معنى واحد، أي المثل المائي والمثل الناري، وهذا غير صواب، فإن المثلين لنوعين مختلفين، فهناك نفاق مستقر في القلوب وهو مقصود المثل الناري، وهناك نفاق شك وتردد وهو مقصود المثل المائي، فالمثل الناري قال فيه تعالى ((مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون)) فهذا مثل النفاق الذي استقر قلب صاحبه على الظلمة أي الكفر، وأما المثل المائي فقد قال تعالى ((كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم