تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ويقبضون أيديهم﴾

هذه خصلتهم الأبرز وهي البخل، وعدم الإنفاق، ومنع المال عن المسلمين عامة، وعند أهل الجهاد خاصة، وقد تكررت هذه الصفة في مواطن عدة، ذلك لأن النفاق وعدم الإنفاق قرينان لا ينفكان، فالبخل هو مرض الإيمان الذي يدمره ويودي به، فلا مرض يشبهه، وهو قرين الجبن كذلك كما تقدم.

﴿نسوا الله فنسيهم﴾

من أساليب العربية استعمال الكلمة في بعض معانيها، كتسمية الزوجة جارة، لأن الزوجة لها حال مع زوجها، وهو المجاورة له، ولذلك قال الأعشى:-

أيا جارتا بيتي فإني مفارقك

يقول هذا لزوجته، والزوجة صاحبة كذلك، لأن لها المصاحبة له، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الشريك جاراً فقال:-" الجار أحق بصقبه" والجار هنا على الصحيح هو الشريك لا مطلق الجار، فاللفظ دلالة على حال، وقد يكون هذا الحال جامعاً في واقعه لأحوال متعددة، فيجوز حينئذ تسمية هذا اللفظ الجامع لهذه الأحوال على بعض صوره، فالمكر لفظ يجمع معاني متعددة لأحوال متعددة، فمن معانيه أن يعمل المرء في غيره ما لا ينتظره ويرقبه منه، وقد يكون هذا الفعل على سبيل العدل به لما فعل من الشر، وقد يكون على سبيل الشر والكذب والخداع، وإن كان لفظ المكر في أصله لا يكون إلا على سبيل الشر، فقول الله تعالى ((ويمكرون)) إنما هو على فعلهم القبيح، حين أتوا بالأعمال التي ظاهرها الحسن وباطنها وعاقبتها القبح، وأتوا بها على سبيل الشر، فلما جازاهم الله بأن أتى لهم بفعل على غير ما يؤملون وينتظرون كان فعله مكراً، ولكنه مكر حسن، لأنه على سبيل العدل والمجازاة فقال تعالى ((ويمكر الله والله خير الماكرين)).

وههنا فإن النسيان فيه معنى الترك، فإن المرء حين ينسى شيئاً فإنه يتركه فلا يأتيه ولا يرعاه، وقد يكون هذا الترك على سبيل ضعف الذاكرة والغفلة، وقد يكون بقصد، مع أن الأصل كلمة النسيان أن تطلق على الحالة الأولى وهي ما كان سبب الترك الغفلة والضعف، فنسيان الكافرين لربهم قد يكون بغفلتهم لانشغالهم بمحبوباتهم وشهواتهم عن ذكر الله وإتيان أوامره وقد يكون بقصد، أي أن يذكروا فيعرضوا مع حضوره الأمر في ذاكرتهم، وكلاهما قبيح، ولكن نسيان الغفلة والضعف لا يتصور في حق الله تعالى، فإن الله لا ينسى (أي لا يترك) أحداً من رعايته وهدايته وتوفيقه إلا بقصد، فقال تعالى ((وما كان ربك نسياً))، فهذا نسيان منفي، وأما النسيان بقصده، وهو جزء في كلمة النسيان، أي الترك، فهذا ما يثبته الله تعالى هنا فقال ((فنسيهم))، وبالاستقراء فقد تبين أن هذه الصفات على هذا المعنى أي لا التي فيها معنى قبيح وآخر حسناً أنها لا تأتي في القرآن إلا على جهة المقابلة كقوله ((ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)) وقوله هنا ((نسوا الله فنسيهم)) وقوله تعالى:- ((يخادعون الله وهو خادعهم))، أما الصفات التي لا يتصور فيها إلا الحسن فتأتي مستقلة كقوله تعالى ((والله خبير بما تعملون))، وقد تأتي مع صفة تكملها في الحسن فتزيدها حسناً كقوله تعالى ((العزيز الحكيم)) وقوله ((الغني الحميد)) وقوله ((العزيز الشكور))، وهي صفات حسنة إن استقلت، وتزداد حسناً مع الإجتماع الذي يقتضيه السياق كقوله ((التواب الحكيم)) بعد أن ساق الله أحكام اللعان، مع ورودها في القرآن ((التواب الرحيم))،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٩٩