هذا الإعتذار المرفوض هو التبرير الباطل للفعل القبيح، وهو ادعاء الخوض البريء واللعب، ويعني عندهم عدم استحقاقه اللوم والمسائلة ابتداءً على الفعل، وهو اعتذار غير مقبول، أما أن يتوب المرء ويستغفر بعد أن يُراجع فهذا لا مانع منه في دين الله تعالى فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، فكما أن المرء يكفر بعد إيمان، فكذلك يؤمن بعد كفر، ولكن لابدّ للمؤمن بعد كفر أن يعود من الباب الذي خرج منه، وإلا فلا عودة له، أي أن يتوب عن السبب الذي أوداه هذه المهلكة، أما إقامته عليه، أو عدم توبته منه، فإنه يبقى عليه حكم الكفر حتى لو أتى بالأعمال الصالحة الأخرى.
﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم، نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقين، وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها، هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم﴾
يقولون: الناس كأسراب القطا يتبع بعضهم بعضاً، ذلك بأن الإنسان يميل إلى من يشاكله، وأعظم المشاكلة هي ما كانت في الدين والمذهب والأخلاق، ولذلك فإن الكريم يحب مثله، والصادق كذلك، والكاذب يحب ويجتمع مع من يشاكله، والجبان والبخيل كذلك، فهذه من الخصال التي فطر عليها الإنسان، ولذلك قال تعالى: ((الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات))، وقال تعالى في سورة النور: "الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك" وهذا وإن كان حكماً بصيغة الخبر، إلا أنه إقرار لواقع الناس وما يحبون من القرناء، وهكذا هنا، فإن الله حكم بأن أهل النفاق يميل بعضهم لبعض، ويجتمع بعضهم لبعض ولذلك قال تعالى عنهم في سورة البقرة:- ((وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم))، وشياطينهم هم كبراؤهم أو أسيادهم من الكفار المشركين أو اليهود زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا بيان رباني تعليمي وإرشادي للمؤمنين بأن يعرفوا المنافقين من خلال أصدقائهم وخلانهم، فإن صديق المرء لمثيله وشبهه، فإن اشتبه عليك حال امرئ فانظر إلى من يخالل ويصادق، ومن هم موضع أسراره، ومن هم عيبة نصحه، فإن كان شأنه في هذا مع المنافقين كان منهم، وإن كان مع المؤمنين فهو منهم، وهذه قاعدة قلما تخطئ، وهي نصيحة لأهل الإيمان بعزل المنافقين، وعدم اتخاذهم أولياء كما قال تعالى في سورة النساء عنهم ((ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً، فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله))، ثمّ في هذه الآية بيان أن النفاق يكون في الرجال ويكون في النساء ((المنافقون والمنافقات))، وكما أن الشر يأتي من الرجال إن كانوا منافقين، فكذلك يأتي من النساء إن كن منافقات، وهم يتولون بعضهم بعضاً، ويدافع بعضهم عن بعض، وينصر بعضهم بعضاً، ولذلك فإن المرأة حين تعلم من زوجها النفاق يجب عليها فراقه، فإن قبلت الحياة معه كانت مثله، والمرء أوضح ما يكون في أهله، لأنه يخلو بهم، ويخلون به، ويسر لهم ما لا يسر لغيرهم.
ومن خصال المنافقين والمنافقات أنهم يأمرون بالمنكر، وأعظم المنكر الذي يأمرون به كما كشف ذلك القرآن هو الجبن عن الجهاد، والبخل عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، وهذا نهي عن المعروف كذلك، والمنكر هو كل ما أنكره الشارع ونهى عنه، والمعروف كل ما عرفه الله وحض عليه، فهم الذين يقولون: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا" وهم الذين يقولون عن الشهداء ((لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا)) وهم ((الذين يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية)) وغير ذلك من دعوتهم إلى المنكرات قولاً وفعلاً، ونهيهم عن الطاعات قولاً وفعلاً.