تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كفر قلب المرء وباطنه فلا يجوز له أن يحكم عليه باسم وحكم الكفر، فلو أن رجلاً قال كلمة لا يريدها كقول الرجل الذي ضلت راحلته ثم نام، فأفاق فوجدها فوق رأسه فقال فرحاً بها: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، أخطأ من شدة الفرح، فهذا لا يحكم عليه بالكفر، لأنه وإن قال كلمة الكفر إلا أنه لم يردها (أي كلمة الكفر)، والفرق بين الحالتين أن المستهزئين أرادوا الكلمة التي قالوها، لكنهم لم يريدوا الكفر، وهذا الرجل لم يرد الكلمة أصلاً، بل أخطأ لسانه عن مراده، ففرق بين من أراد الكلمة ولم يرد مقتضاها من الكفر، وبين من لم يرد الكلمة أصلاً.

والقصد فلا يجوز لأحد أن يحكم على أحد بالكفر ظاهراً وهو يشك بكفره باطناً، والقول بوجود هذه الحالة؛ وهي الحكم بالكفر على الظاهر دون الباطن قول باطل لا دليل عليه، بل هو قول بدعي.

ومثل هؤلاء في الضلال من اقتنع بالحكم على المرء بالكفر وقد قال الكفر أو عمله حتى يعلم هل كفر قلبه أم لا، وذلك باشتراط إرادة الكفر، وهذا الضلال قد شاع في زماننا اليوم في الأفراد والمشايخ والحركات إلا من رحم الله، وبسببه تلعب هؤلاء الكفار في هذه الآية، وحكموا على رقابها- وفعلوا الجرائم المكفرة الكبرى، ثم تستروا باسم الإسلام، ووجد من هؤلاء من يدافع عنهم ويحكم بإيمانهم.

﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾

دل هذا على كفر من استهزأ بالله أو بشرعه أو بكتابه أو بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو على سبيل المزاح والمداعبة، فكل كلمة يقولها المرء عن الله وكتابه ورسوله ليضحك منها الناس يكون قد كفر بها وخرج من الملة، وهذا يقع لكثير من الناس، لاستسهالهم إياه، وعدم إدراكهم لخطورته، ومثله الاستهزاء بالأنبياء والمزاح عليهم، وعلى الوجه من هذا من قرأ القرآن على سبيل التقعر ليضحك بذلك السامعين، حيث يفعله المجرمين ليستهزؤوا بالقرآن أو أهله، ومثل هؤلاء من يسب قوماً لنسبتهم لآية يقولونها كمن يقول في كلامه أو كتابه: هؤلاء أصحاب ((والآخرة خير وأبقى))، يقول مثل هذا كثير من الكتاب الزنادقة الذين يكرهون دين الله.

وجماع الأمر أن أي كلمة يقولها المرء أو حركة يفعلها على وجه الاستهزاء بالدين هي كفر، وصاحبها كافر، ولا مانع أبداً من تكفير هذا إلا أن يكون مكرهاً، وهذه الحالة لا يدخل فيها التأويل، ولا الجهل، إذ لا يتصور الجهل في هذه الحالة، فإن الناس يعلمون على اختلاف طبقاتهم أن الاستهزاء إهانة وتصغير وتحقير.

وأشبه الناس اليوم بهذا الصنف الذي تكلمت عنه هذا الآية زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم المستهزؤون بالمجاهدين حين يقومون بجهادهم تصديقاً لوعد الله بالنّصر والغلبة وفتح البلاد وإعادة التمكين، فيأخذ هؤلاء المستهزؤون بترديد ما قاله اسلافهم:- يظن هؤلاء أنهم سيغلبون الطواغيت، والكفار، وفراعنة الأرض، هيهات، هيهات، فهم يستهزؤون بالذين يثقون بوعد الله، ويقومون لتحقيقه، فهؤلاء أولى الناس دخولاً في حكم الطواغيت.

﴿لا تعتذروا اليوم﴾

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٩٧