أما الكاتمون للحق فقد قال تعالى:- ((إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم))، وقارن بين هذا الوعيد على الكتمان، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ((إن الله وملائكته وأهل السماء، وأهل الأرض حتى النملة في حجرها، وحتى الحيتان في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير)).
﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين﴾
كان المنافقون زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرون فضيحة القرآن لهم، لأنه يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فضحهم القرآن فضحاً واضحاً بيناً، حتى كاد أن يذكرهم بأسمائهم، لما في التفصيل الذي ذكره عن أقوالهم وأعمالهم من وضوح وكفاية، ولذلك ففضح المنافقين منهج قرآني، أما من ظن أن هذا من باب الخبث في داخل الصف الذي يجب أن لا يثار حتى لا تظهر رائحته فهذا خطأ، لأن شر المنافقين ليس على انفسهم فقط، بل شر متعدّ إلى غيرهم، يؤذون المؤمنين، ويثبطون الناس عن الجهاد والانفاق، ويستهزؤون بالطاعات وأهلها، ويثيرون الفرقة، وإن حصل لهم فرصة انقلبوا إلى صف الأعداء، بل ويراسلونهم ويشجعونهم على الشر، ومن كان حاله كذلك يجب فضحه وكشفه، ووضوح صور المنافقين في القرآن تجعل أهل القرآن في كل زمن على بصيرة بمعرفة طبقات المنافقين في زمانهم، ومما ينبغي بيانه أن القرآن في هذه السورة لم يجعل شرط النفاق أن تجتمع كل هذه الخصال في امرئ ليكون منافقاً، بل إن قوله تعالى ((ومنهم من يلمزك في الصدقات)) تجعل انفراد صفة في رجل أو امرأة كان لوسمه بهذا الوصف القرآني الذي يليق به، ولذلك فإن من السطحية والغفلة أن يعمي الناس عن هذا الأمر، فيظنون أن المنافق على صفة من الشر الذي تحيط به في كل جوانب سلوكه، وفي كل أقواله وأعماله، وهذا خطأ، وبُعد عن بصيرة القرآن وهدايته، فهؤلاء المنافقون هنا يقولون كلمة لا يريدون بها النفاق، ولا يتصدون بها الكفر، ولهم طاعات من صلاة وصيام وبذل ومع ذلك فالله يقول لهم ((قد كفرتم بعد إيمانكم))، فشهد لهم بالإيمان قبلاً، لكن حكم بكفرهم بكلمة قالوها استهزاءً، فكيف بمن يقول كلاماً وكلمات يوالي بها الكفار، ويبيع لهم أعراض المؤمنين، أو يثبط بها المجاهدين، ويصرف عنهم الأنصار والأتباع، ولو استجاب الناس له لخلا الكفار في ساح المعارك دون وجود المجاهدين، وهم لخبثهم في زماننا يزعمون حب الجهاد، لكنهم يسبون مجاهدين ميعنين ومقصودين، ليجعلوا لأنفسهم تقية تحميهم أمام الناس بأنهم لا يقولون عن الجهاد شراً، لكنهم لا يرضون عن أفعال أشخاص، ويقولون: هذا حق للدين لا لنا، وقد كذبوا، لأنهم يعلمون أن الجهاد في الأرض ليس آية، ولا حكماً، بل الجهاد آية ورجل، وحكم وجماعة، فمن سب رجل فقد سب الجهاد، ومن سب طائفة الجهاد فقد سب حكمه، لا يعني هذا أن رجل الجهاد وطائفة الجهاد لهم العصمة لا يخطؤون، لكن شتان بين من يريد خيراً لهذا الرجل وهذه الطائفة، فيرجو نصره، ويدعو له، ويحبه ويواليه، ويحض الناس على اللحوق به، وهو مع ذلك ينصح له نصحاً لا يكون فيه تثبيطاً، ولا يكون فيه إعانة لأعدائه عليه، وبين من يثبط عنه، ويقدح فيه قدح اللاعن له، والمنافر الذي يخذله، فيكره نصره، فهذا هو النفاق الذي لا مثنوية فيه، حتى لو صلّ وصام وأنفق.