وبعض هؤلاء لو قيل: أنت تؤمن بالجهاد، لكن أرني في الأرض مجاهد تراه على الحق، فتواليه وتنصره، لسمّى لك جنود الطواغيت المرتدين، من جيوش الردة التي لا عمل لها إلا قتل أهل الإسلام وسجنهم وملاحقتهم، وما قامت إلا لتثبيت أركان المرتدين، وليس لهم نفرة لقتال إلا من أجل كفر صريح كالدفاع عن حدود جاهلية، أو حكام كفرة، أو استجابة للطاغية فرعون من أسياد هؤلاء المرتدين، فإن توسع قليلاً في ذكر المجاهدين في الأرض لم ير جهاداً إلا ما كان على معاني اسلامية توافق أحكام الجاهلية، كالقتال على الوطن ضد الأجنبي الكافر، وبعدها يقف حماره لجهله تارة، أو لنفاقه.
أما كيف يكشف النفاق اليوم ولا قرآن ينزل، فإنه يكشف باعمال آيات القرآن التي تفضحهم وتعريهم، فيفعّل كتاب ربنا بأن تنزل آياته وكلماته على اعمال الناس وأقوالهم، فيعرف الناس أفراد المنافقين وجماعاتهم، فلا يخدعون برايات الإسلام التي يرفعها أقوام ليقولون كلمات النفاق، ويقفون مواقف المنافقين، ذلك لأن الجهل بهذا هو الذي يودي بالأمة إلى النهايات البائسة المدمرة، ولو أعمل المسلمون آيات القرآن في هؤلاء مبكراً لاكتشفوا المرض مبكراً فاتقوه وما اسقطوا فيه، كما هو شأن تشخيص الأمراض في أطوارها الأولى فيكون العلاج حميداً ناجعاً، لكن إن استفحل وبلغ مراحله المتقدمة استعصى على العلاج، ومما يؤسف له أن المسلمين يتسمّحون لهذه الكلمات وهذه الأعمال، مع أنها لرحمة الله فيهم يبينها في أصحابها في البدايات، ويعري أصحابها وهم في مطلع الطريق، لكن لغفلة المسلمين، وتركهم هدي الكتاب يتركون هؤلاء، ويبحثون لهم عن المعاذير، وربما مدحوهم في الجوانب الأخرى التي يعملونها، أو التي يتقنونها، فيسري هؤلاء إلى منصات القيادة الفكرية والعملية، وتزيد انحرافاتهم يوماً بعد يوم، ثم يتفجرون فساداً وخبثاً، فيقع التساؤل: كيف حدث هذا؟ وما هي أسبابه؟ وكيف صار؟ وينسون أن البدايات كانت علامة النهايات، وأن التسمح بهذه الأقوال والمواقف هي السبب الذي أودى إلى هذه الخاتمة السيئة، ويصبح الحال شديداً حين يصبح لهؤلاء أتباع، ولهم سطوة وقوة مالية وإدارية وفكرية، فإن صار الناس إلى الإصلاح كان الأمر شديداً وقاسياً ومؤلماً.
هذا الفارق بين حال المجتمع السليم الذي كان بحياة الصحابة تحت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين حالنا من غلبة منافقين على كثير من مفاصل الدعوة، والقيادة يسجله القرآن بقوله ((يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون)) فهم في الزمن الأول: يحذرون، لأن العيون مبصرة، والعقول مهدية وواعية، والرصد الإيماني لهذه الظواهر المرضية قوي، فيبدأ بعد ذلك العزل والإبعاد، أما احسان الظن على حساب الحقائق، والتهوين من الكلمات العظيمة التي جعلها الله نفاقاً صريحاً، وكفراً لا يقبل التأويل ولا الإعتذار، لأن مبناه على استخفاف قلوب هؤلاء بالشريعة، وهوان دين الله في نفوسهم يؤدي إلى عظيم المصائب في المجتمعات المؤمنة.
﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم﴾
فهذا المكتوم في القلوب كتب الله أن يظهر رغم أنوف أصحابها على فلتات ألسنتهم، ولذلك قال تعالى عنهم ((إنما كنا نخوض ونلعب)) وهذه الحالة من التخفف في أوقات الراحة تكون كاشفة لما استتر في القلوب، لأن المرء فيها ينسى الكثير من القيود التي يحكمها على نفسه في لحظات وأزمنة التهيؤ، أما لحظات الإنبساط إلى الأقران فهي تكشف هذا