وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء"، فقال الله فيه هذا القول وهذا الحكم، فكيف بمن يسمي المجاهدين مفسدين في الأرض، ويعلم الكافرين طرائق القضاء عليهم لأنه كان منهم يوماً، أو هو خبير بهم لقربه منهم، فهل هؤلاء أقل من الأوائل حكماً؟ لا والله بل هم كافرون كما قال تعالى كما سيأتي ((قد كفرتم بعد إيمانكم)) فوالله إن كلمة واحدة يقولها هؤلاء يرضون بها الكافرين، ويكشفون بها عورات المؤمنين المجاهدين هم مرتدون بها، لكنهم لما فسدت قلوبهم، واسودت صارت هذه المعاصي صغيرة في أعينهم، ولا أظن أن تنتهي في بلده، ثم يصير كافراً مرتداً، يقاتل مع الكافرين، ويدخل في طاعتهم، ويمقت المجاهدين، ذلك بأن الله يمهل ولا يهمل، وحين يصير هؤلاء إلى هذا الكفر الصريح البواح لن يكون في قلوبهم نور الحق الذي يلومهم على هذه الفعال، لأن النفوس اللوامة تردع صاحبها يوماً، لكن حين تسود القلوب، وتغلق، ويربط عليها بالكفر، فحينئذ لا رجاء لهم بالتوبة، وهذه هي سنة الله في أمثالهم.
﴿ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزي العظيم﴾
هذا تحذير رباني من أنهم بفعلهم هذا إنما يحاربون الله ورسوله، ويحادونهما، ومستقر من فعل ذلك جهنم والخلود فيها، وهذا كاف في العذاب والخزي لمن علمه.
والقرآن يهدد هؤلاء بالآخرة، كما هو شأنه مع كل المخالفين، وهي ليست بعيدة، ولا للناس منها مفر، وهم مع كفرهم يتألمون لهذا التحذير، فقد كانت قريش تنفي الآخرة والحساب كما قال تعالى عنهم ((من يحيي العظام وهي رميم))، ومع ذلك فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته، ومن راقب ما يقوله دهاقنة الكفر، وسبب غليان قلوبهم ضد المسلمين هو مقتهم أن يقول المسلمون: إن الكافرين في جهنم، وأن من لم يؤمن بالإسلام هو كافر، ومستقره جهنم، بل إنهم ليغضبون إن قيل لهم أقل من هذا، وهي حرقة المعاصي التي يقترفونها، حتى سمعت لأحدهم من المرتدين يقول عن المجاهدين: إن هؤلاء يريدون جلدي ثمانين جلدة إن شربت كأس خمر، ومثل هذا كثر في المرتدين والكفار (الأصليين) ففي وقت انتشر في بلاد الكفر الأصلي حل اللواط، وانتشرت هذه المعصية في بلادهم صار أكثر ما يغضبهم أن يقول لهم المسلمون حكم الله في اللواط، فتجد أحدهم تنتفخ أوداجه، وتحمر عيناه إن سمع هذا، وهذا أشد عنده من أن تسب أباه وجده، بل أن تسب دينه، ولذلك فإن الجمعيات اليهودية في الغرب تحرض أهله ضد المسلمين عامة والمجاهدين خاصة بأنهم يقولون بجلد أو قتل الزاني، واللوطي، وجلد شارب الخمر، أما إن قيل لهم إنكم بعد الموت في جهنم خالدين فيها أبداً فإن نفسه تكاد تخرج من جبينه غضباً، وإنه مما يؤسف له أن بعض الدعاة يخونون الله ودينه، بل ويخونون هؤلاء الكفرة حين يكتمونهم هذه الحقائق الصادقة، والتي هي اليقين الذي لا شك فيه، بل إن بعضهم صار يمنع غيره من أن يسمي غير المسلم كافراً، زعماً أن هذا من باب الحكمة، وهذا كذب، بل هذا من باب الخيانة، إن لم يكن من باب الشك في هذه العقيدة الحق، ولقد سئل أحدهم عن أميرة كافرة ماتت في الغرب، وبكاها أهل بلدها، فسئل أحد الدعاة عن مصيرها بعد موتها، وعرض السائل الصحفي بأن المسلمين يقولون أنها من أهل النار، فجبن الشيخ وقال:- الله أعلم بحالها، لأن الله يقول: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره))، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
إن كل هذا من باب كتمان العلم اليقيني، وهو أس بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن اجلها قامت السموات والارض، والله يقول ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون))