أكمل وجه، ولو عقل العائبون ما فيه من خير لهم ما عابوه فإنه ((رحمة للذين آمنوا منكم))، أما ضدها؛ أي عذاباً، فهي للعصاة والمنافقين، ولذلك لا يخاف من هذه الخصلة إلا من تجر عليهم الوبال والعذاب.
- ... ذكر من بعض معاني هذه الآية أن المنافقين قالوا: إننا نحلف لرسول الله فيصدقنا، أي يستهزؤون أنه يسمع ويصدق ما يقال له منهم، وعلى هذا المعنى يكون في الآية تقويم قيل بعد ذكر أيمانهم الكاذبة التي كشفها القرآن، وهو عدم تصديق أيمانهم، وبيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان أدبه أن يسمع لمن يحدثه إلا أنه لا يصدق إلا المؤمنين ((يؤمن للمؤمنين)) لا غيرهم من المنافقين، حتى لو حلفوا وأقسموا، فهو صلى الله عليه وسلم ((أذن خير لكم)) أي يصدق ما هو خير لا ما هو شر، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يأذن لجلساء الشر عنده، ولا يسمح للشر أن يقال في أذنه، وهذه هي خصال المؤمنين عامة، والقادة الصالحين خاصة.
- قد بينت الآية عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمته على أصحابه وأمته، وبينت سمة أصحابه الخلص الذين كانوا عيبة نصح له في السراء والضراء، والليل والنهار، وأن الله سبحانه وتعالى حين اختار هذا الحبيب ليكون خير خلقه، اختار له خير أصحاب في الوجود، وخير حواريي الأنبياء ليكونوا حوله ومعه، فيكون هو طيباً، وما حوله مما يسمع طيباً، وهذا ردّ على الأخباث من الخلق الذين يزعمون حب الرسول صلى الله عليه وسلم ويسبون أصحابه ونساءه، وهذا لا يفعله إلا من يبغض النبي مهما زعم من حبه، فكيف يمدح هو ويذم خلصاءه وإخوانه وأخدانه؟! ولذلك ختم الله هذه الآية بقوله ((والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم))، فإن من سب ناصحي الرجل إنما يسبه هو، ومن سب نساءه إنما يسبه في أعظم ما يدافع عنه بعد الدين وهو العرض، وهذا بين لمن عقله، ولكن على قلوب أقفالها.
﴿يحلفون بالله ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين﴾
وهذا حلف آخر، فقد تقدم حلفهم أنهم منكم فنفى الله هذا الانتساب، إذ لا يستحقون الدخول مع طائفة الإيمان، وهنا يحلفون للمؤمنين على ما يحبون ويرضون حتى يرضى عنهم المؤمنون، وهم لا نظر لهم، ولا اعتبار في قلوبهم لما يحب الله ويرضى، فلا نظر لهم للغيب، وليس في قلوبهم محبة الله، ولا الخوف منه، ولا رجاء الدار الآخرة، وهذا هو أساس النفاق، وهي مقوماته.
فهؤلاء قوم لا يقولون إلا الشر، ويفعلونه، ويسرون به في مجالسهم، فإن ظهر، وكشفه الله للمؤمنين جعلوا يحلفون أنهم ما قالوه، ولا أسروا به، حتى يرضى عنهم المؤمنون، وينفون عما نسب إليهم، ولو كانوا أهل إيمان صادق لما قالوا الشر، فإن قالوه تابوا عنه، ونظروا إلى رضى الله تعالى لا رضا الناس.
والمسلمون عامة والمجاهدون يعافون من هذا الصنف الكثير من الشر، فإن فراخهم في زماننا كثير، حيث يجلسون إلى الكافرين، ويرضونهم بالشر الذي يقولون ضد المجاهدين المسلمين، فيتبرؤون منهم، ويكشفون عوراتهم، ويقولون فيهم أشد الكلمات، فتخرج هذه الكلمات، لأن الله يفضحهم، وهذه سنته في الخائنين، فإن خرجت جعل هؤلاء المنافقون يحلفون الحلف الكثير أنهم مع المجاهدين، وأن هذا كذب عليهم، أو نقل على غير وجهه، وهم يعلمون أنهم يكذبون، وأن أيمانهم تغمسهم في جهنم، زيادة عما يغمسهم فيها من الشر الذي قالوه عن المجاهدين، وعن العمالة والخيانة التي أرضوا بها الكافرين، ومن هذا الصنف دعاة، وقادة حركات، ومدعو فكر ونظر واجتهاد، وإذا كان هذا الصنف هنا من المنافقين من قال عن "القراء" كلمة يراها اليوم هؤلاء أشبه بالقذاة صغراً وحقارةً، إذ قالوا:- "ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً،