تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسألكم أموالكم)) ((ها أنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم))

- تضمنت هذه الآيات مراتب الإيمان بالقدر وهو الرضا بما قسم الله له في الأمر، ثم التوكل على الله، ثم الدعاء. وهذا في قوله ((ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون))، والسّخط يضاد ذلك كله.

﴿ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم، يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾

هذا طعن له شقان؛ الأول الطعن في ضعف القيادة، وأنها مأسورة لمن حولها، أي تسلط عليها قوم صاروا لها حاضنة تحيط بها، وتسيرها كما تريد، والثاني: طعن في هذه الحاشية التي تلقي كلاماً على أذن القائد، وهذه لعبة شيطانية، تسري من ذلك اليوم إلى يومنا، وإلى ما شاء الله تعالى، والقصد منها إيذاء القيادة، أي اضعافاً وصرف الإحترام عنها، وتمرير مخططات التدمير من الداخل، وسوق هذا الاتهام بعد اللمز في قسمة المال والصدقات معلوم في واقع الأمر، فإن البعض بعد أن يرمي كلامه في قضية من القضايا كقضية المال أو المناصب واسنادها لأناس، يذهب ليخفف حرة الاتهام ضد شخص القائد، خاصة إن كان هذا القائد له شهرة في التقوى والزهد، فيري اتهامه بالضعف والأسر لمن حوله، والقائد لا يصلح لها إلا أمران: الأمانة والقوة، فإن خاب سلاح طعن الأمانة، ذهب لسلاح الطعن في القوة.

والإيذاء هنا جريمة في ذاتها، ومعصية دون مقصد يتعداها، لكن المقصود هو الطعن للتخريب، والإيذاء للإفساد، ففي حق الرسول صلى الله عليه وسلم طعن في استحقاقه للنبوة، أو طعن في النبوة نفسها، وفي غيره طعن في استحقاقه للقيادة، وهي وسيلة ناجعة في أوساط ضعف العقل والدين والإدراك، وقد أحدثت هذه الوسيلة أول فتنة في الإسلام وهي مقتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهي تتحول من فساد شخص يقولها إلى تجمع يتكاثر ويؤدي إلى شطر الأمة والجماعة، ثم يسري هذا الشطر في كل تجمع، والفقه الذي يرد هذه الفتنة هو فقه كبار الصحابة، وهو عدم منازعة ولاة الأمر، وعدم بث الإشاعة والترويج لها، لكنه النصح في السر والعلن، والبحث في نفس المرء الذي يتقي ربه عن سبب حدوث هذا في نفسه، لأن عامة ما يحدث سببه الحسد والتنافس على الدنيا، فلندفعه في أنفسنا في هذا الباب لئلا يمرر الشيطان وجنده الألاعيب تحت ستار الإصلاح، والإصلاح كما هو معلوم لا يكون بالفرقة، ولا بالتنازع، ولا بحمل السلاح ضد اخوانك.

لكن في هذه الآية بيان ايقاف هذه التهمة القذرة وهي قوله ((أذن خير لكم، يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم))، ففيها رد من وجهين علمي وعملي، أما العلمي فهو تقوى الله في السر، والخشية منه، وطاعة أوامره، وذلك بوضع كل أمر من مال ورجل موضعه، أما العملي فهو اتخاذ الأتقياء من الاخوان مستشارين وأخداناً، ممن لا مطعن للناس فيهم، فهم مشهود لهم الدين والعلم والقدرة والتقوى، وبهذا سيرى الناس آثارهم في حياتهم كما قال تعالى:- ((ورحمة للذين آمنوا منكم))، لأنهم يعظون قائدهم بالعفو عن المسيء، ومكافأة المحسن، وستر العورات، وردّ الشبه وكيد الخائنين.

- في هذه الآية بيان فضل اتخاذ المستشارين، وأنه ليس ضعفاً، بل قوة، فلم ينفه القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أثبته، وعده فعلاً إيمانياً لا يستنزه منه أكمل الخلق عند الله تعالى، بل هو يفعله على خير حال، وعلى

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٩١