تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حكمة ذكر هذا التوزيع هنا لوجوه؛ أولها:- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيه من متولي الزكاة لا يجوز انتقادهم في هذا، لأن أمر الصدقات ليس لهم، إنما هو لله تعالى، فإن كانوا مطيعين فإنما هم يضعونها كما أمر الله، فلا يجوز انتقادهم، ومن عاب هذا التقسيم فإنما هو راد على الله تعالى لا على المصدق (جامع الصدقة ومتوليها).

ثانيها:- إن هذا توجيه للمتولي أن لا يتأثر بلمزهم وتعريضهم وكذبهم ليرضيهم، فإن أمر هذا المال ليس له يجتهد فيه رأيه، بل هو لله تعالى، فليضع أصابعه في أذنيه، وليصمها عن سماع لمزهم وكذبهم مهما صرخوا وكذبوا، ومهما تأذى منهم وتألم، فإنه إن حاول أن يرضيهم في هذا سيغضب الله وسيعصيه، لأن مصارف الزكاة لا اجتهاد فيها، إذ لا تصرف إلا لهذه الأصناف الثمانية فقط دون غيرهم.

ثالثها:- تقدم مراراً أن بيئة المجتمع المسلم هي بيئة الجهاد، وحياتهم هي الجهاد، وقد تقدم أن أمر الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في معرض الحديث عن هذه الشعيرة التي تكتنف الحياة للمسلمين، وتحيط بها، فها هنا كذلك يسوق الله أمر حكم مصارف الزكاة في معرض الحديث عن موقف المنافقين من النفير في الغزو إلى تبوك، كما ساق أمر الربا في سورة آل عمران في معرض الحديث عن غزوة أحد، وكما في صلاة الخوف في سورة النساء، وهو بيان رباني لمن عقله أن الجهاد هو حياة الأمة، وهو المظلة التي تعيش تحتها، ويمارسون حياتهم في كنفها.

- في هاتين الآيتين ذكر قوم يأتون من أجل المال، وهم أهل النفاق، وذكر في مصارف الزكاة المؤلفة قلوبهم، وهم من يعطى من الزكاة رجاء اسلامه، أو ثبات اسلامه، وهناك فارق بين الحالتين، فإن المؤلفة قلوبهم يعطون ليثبت دينهم، ويقوى إيمانهم، ثم يصبح لهم الشأن في الإسلام وأهله، ولكن المنافقين إن لم يتوبوا ويصلحوا أمرهم يبقون على هذا الحال، كاللعبة التي لا تتحرك إلا بالقطعة المعدنية المالية، تسير إن وضعت فيها، فإن منعت عنها توقفت، ثم هذه لو عرضت عليها صفقة أكبر من غير المسلمين لطاروا إليها، تسير إن وضعت فيها، فإن منعت عنها توقفت، ثم هذه لو عرضت عليها صفقة أكبر من غير المسلمين لطاروا إليها، وهذا من أخطر ما يكون عليه المرء في داخل الصف المسلم.

- توجه الآية ((ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله)) إلى طريقة الإيمان في هذا الباب، وهو الرضى بما يعطى لهم، وعدم السخط عليه، فلا يستقل، ولا يثقل أمره في الطلب الذي يرهق أمر المؤمنين، فإن لم يغنهم ما أعطوا التجؤوا إلى الله وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهذه هي عين الوصفة الربانية لمن خاف على ورثته الضيعة لعدم وجود ما يورثه لهم، قال تعالى ((وليخش الذين تركوا لو خلفهم ذرية ضعافاً، خافوا عليهم، فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً))، وقد تكفل الله في الآيتين لمن أخذ بهذا الأمر أن يكفيه الله تعالى، فقال:- ((وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون))، وهذا يدل على عظم أعمال القلوب في حل مشاكل الإنسان المسلم، والقضاء على مصاعبه.

- في هذه الآيات دليل على استخدام المال في نشر الدعوة، أو تسكين الفتن، أو صرف الشر، أو تحييد الخصوم، فإن عصبة الإيمان إن كثر عليها الخصوم جاز لها أن تصرف شر الكثير بما تقدر عليه، حتى تفرغ لأهل الشر والفساد من الكبار، وهذا من باب السياسة النبوية، ولذلك فجلب المال لهذه العصبة من أجل استخدامه في هذه الحاجات هو من باب الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل وغيره أحب منه، لأنه يكل البعض لإيمانهم، ويتألف الضعفاء وزعماء القبائل، وفي زماننا فإن طواغيت العصر يستخدمون هذا السلاح كثيراً في تمرير أهدافهم ومشاريعهم، ومن باب أولى أن يطمئن المجاهدون أهل الثراء والمال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن كرائم أموال الناس في أخذ الزكاة، والله يقول:- ((إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٩٠