في حق النبي صلى الله عليه وسلم أن صار إلى مدينة المنعة هي تلك التي قيلت له في حق قسمته للمال، حيث قال المنافقون:- "إن هذه قسمة لا يراد بها وجه الله تعالى" وقولهم" اعدل يا محمد"، وهذه تقال لسيّد العادلين، وإمام المتقين، فكيف بمن كان بعده من القادة والحكام العادلين؟ ولذلك إن أعظم ما يتهم له هؤلاء إنما يكون في موضوع المال وقسمته، وهي تهمة تصلح للإشاعة، إذ تسير في الناس سير النار في الهشيم، لأن النفوس المريضة تحب لوكها والخوض فيها، وهي لا تحتاج إلى دليل في المجتمعات المريضة، حتى إذا انتشرت وتناقلتها الألسنة صارت خبر صدق متواتر لا يرد، وإني في هذا الباب فقط سأسمح لنفسي أن أتحدث عن تجربتي الشخصية، لما فيها من عبرة وعظة للعاملين، وللناظرين، وابتداءً فإني بفضل الله تعالى لا أعلم أن لي في هذه الأرض شيئاً أملكه؛ فلا مال، ولا عقار، وقد علم أهلي وصية حملتهم إياها إن مت أن لا ينتفعوا بشيء ينسب إلي، بل يتصدق به، ومع ذلك فإني أشهد الله إني قد عانيت في هذا الباب الكثير؛ من قريب وبعيد، وقد كان بعض الإخوان يزورني فأقدم لهم ما يجب من الضيافة، أو ما في معناها من الإكرام، فأرى في عيونهم الحديث فيما بينهم: من أين له هذا؟ وما هو إلا ما يأكله عامة الناس في بيوتهم، ولقد كان أبنائي يشتهون بعض الألبسة في الأعياد فأمتعهم بها مخافة الكلام السيّء، وكان بعض المحبين يعلم هذا فيذهب ويشتري لهم دون علمي، ثم ليلة العيد يحضرها إلى البيت، فيلبسونها، فأصاب بالحرج الشديد لما أرى من تسائل البعض عنها، وقد اتهمت مراراً بأن لي عقاراً هنا أو هناك، والله يعلم أن هذا لم يكن فقط ولا صار، والناس يعجبون، وقد كان بعض الأخوان يرون قدم ما ألبس فيهدون لي الحذاء الجديد، فأذهب به إلى غيري مخافة الحديث السيء، فما أشقى من يولى في شيء من أموال الناس، والسعيد من عافاه الله من ذلك، ولقد قلت يوماً لأحدهم وقد قال كلام الشر فيّ:- الله يعلم كذب ما تقول، ولكن هلا اتقيت الله وعددتني كولي مال اليتيم، إذ أجاز الله له أن يأكل بالمعروف إن احتاج، فأخذها رجل لم يتق الله تعالى، ولم يشكر يد الصحبة والأخوة التي بيننا، ولن أقول لم يشكر يدي عليه، فقال شراً، وسبّ وجدع، فالله يغفر للجميع، وإني أحللت عرضي له في ما قال رجاء أن يرفع الله درجته بالعمل لدين الله تعالى، وقد كانت هذه الآية سلواني في هذا الباب، ومثلها أخبار الحبيب المصطفى في ذلك، فهذا باب لا يسلم منه أحد، ومثله تلك الاتهامات في الأعراض والنوايا والخفايا التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى، فالذين يعلقون محبتهم على ما يؤدى لهم من مال هم منافقون، داخلون في هذه الآية، وكفاهم بذلك شراً.
﴿ومنهم من يلمزك﴾
هذه هي طريقتهم، وهذا هو أسلوبهم، لا يواجهون الأمور مواجهة، لأنهم لو فعلوا وطولبوا بالدليل لظهر كذبهم وافتراءهم، لكنهم يلمزون ويعرضون، ويلقون كلاماً موهماً، يقع في نفس السامع أشد من وقوع الكلام الصريح، ويتقون بهذا العريض المساءلة والمراجعة، وإن روجعوا زعموا أنهم يريدون الإصلاح، وكذلك الحرص على أموال المسلمين ومقدراتهم، ولو أعطوا هم أمر المال، أو أعطوا منه لسكتوا، وباعوا كلماتهم فلم ينطقوها، والأمر في أصناف هؤلاء متعدد، فمنهم من هو خبيث النفس، كاذب القول، يعلم ما يقول أنه كذب، ويريد به الشر والإيقاع بعباد الله العاملين، فيمنع عنهم الخير الذي يجري على أيديهم، ومنهم من هو مغفل يردد ما يقال كابنة الجبل (الصدى)، ينعق مع كل ناعق، وهو آثم ولا شك، وإن كان الأول أشد شراً وأعظم أثماً.
لكن لم قيلت آية توزيع الزكاة في هذا الموطن؟