﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون، إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾
لأن القوم ميزانهم العمل، فهم إلههم، وإليه تهفو قلوبهم، فميزان الحب للآخرين بما يعطونهم منه، وكذلك البغض إن حجب عنهم، فهم يُشترون به، ويُباعون به، ومن كان له ثمن من هذا الجنس فهو رخيص خسيس، بخلاف المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله، ولم يقبلوا ثمناً لهذه النفوس إلا رضوان الله والجنة، أما هؤلاء فهم مجرد سلعة رخيصة، يتداولها خصوم هذه الأمة بما يدفعون لهم من لعاعة الدنيا الملعونة، ولذلك هم أهل خسة في أنفسهم، وعند أهليهم، وعند من يتاجر بهم، وبسبب خستهم في أنفسهم فإنهم يحقدون على المجاهدين، لأنهم مرآة نفوسهم التي تذكرهم بسقوطهم، وتقرع أرواحهم أنهم سقط متاع، ولذلك تجد الساقطين من هذه الأمة هم أشد حقداً على المجاهدين من أعداء هذه الأمة، فكم سمعنا من قادة فكر أصلي يعترفون بخصال المجاهدين، كالشجاعة، والإقدام، وصدق الثبات على العقائد، لكن لا يمكن لك أن تسمع هذا من الزنادقة والمرتدين والمنافقين، لأن حقدهم يعمي أبصارهم، فالخسيس يحسد صاحب المبادئ، وكم تساءل الأخوة: لماذا نحس حقداً ضافياً من المرتدين في بلادنا أكثر من اليهود والنصارى؟ والجواب: لأن هؤلاء حين يمكنون من تعذيب المجاهدين والدعاة فإنهم يفعلون ذلك من باب هذا السقوط النفسي للشخص المرتد والزنديق، فهم يحقدون حقد الجُعل عند الرائحة الحسنة، فيأتي منهم شر زائد عن غيرهم من اليهود والنصارى، أما خستهم عند أهليهم فإنهم ساقطون في عين الله، ومن سقط من عين الله سقط من عين الناس، ومثل هؤلاء أشد ما يكونون وضوحاً بين أهليهم، من زوجاتهم وبناتهم وأبنائهم، فيمقتونهم لخستهم، ووضاعتهم، بل رأينا من هؤلاء من يبذل عرضه من أجل المال والمنصب، وهذه صفة غالبة في الملأ الحاكم حول فرعون كما وصفهم الله في سورة يوسف، حين قال العزيز لزوجته:- ((يوسف أعرض عن هذا، واستغفري لذنبك إنك كنتِ من الخاطئين)) لم تبين بعد ذلك أن زوجاتهم جميعاً في هذه الطبقة على هذه الصفة من العهر، مع علم أزواجهم منهم إذ قال تعالى على لسان يوسف الصديق عليه السلام ((ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم))، فلم يكن الأمر خاصاً بزوجة العزيز فقط، بل كان عاماً في كل هذه الطبقة، وهن يقلن هذا أمام أزواجهن، ولم يرين في أزواجهن شرفاً ولا غيرة تمنعهن من التصريح بطلب الزنا أو بالرغبة فيه، وقد حدثني أحد الأطباء في بلد من بلاد الإسلام حيث يعمل في مستشفى عسكري شهير، أنه لما جاء رجال المخابرات وضباطهم ليعتقلوه، قال: وكنت أعرف الكثير من نسائهم وبناتهم، حيث يتداوين من مصائب الزنا في هذا المستشفى، فقلت لهم: ألا تتقون الله في المسلمين! فإنكم تعلمون ما عليه أعراضكم من بناتكم ونسائكم من مصائب العهر مع علية القوم وأسيادكم، وأنتم تعلمون أني طبيب مطلع على هذه الأمور، فقال: والله ما هالني إلا أنهم قالوا لي: ستدفع الثمن غالياً من أجل هذا الكلام، وقد كان، فقد عذبت عذاباً مضاعفاً، يقول: أي قلوب هذه لا تخجل ولا ترعوي ولا تتوب.
فهذا حال هؤلاء القوم أمام أهليهم، أما خستهم أمام من يتاجر بهم، ويدفع لهم ويشتريهم فهو بيّن، لأنه يتخذهم دواباً تمتطى للوصول إلى أهدافه، فإذا قضى حاجته منهم رماهم رمي النواة، فهم عنده لا شيء إلا بمقدار تحقيقهم لحاجته.
هؤلاء عبيد المال لحقوا بالإسلام طمعاً في المال، فإن اعطوا مالاً أو حافظ على أموالهم ومصالحهم فهو حسن وجيد ومحبوب، أما إن ابتلاهم في مالهم، أو لم يتحصلوه ذموا وسخطوا على الإسلام وأهله، وقد كانت من أعظم الكلمات سوءاً