تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفزع في قلوبهم، فترتجف أوصالهم، وتزيغ عيونهم، وتتساقط هممهم، لأنهم لا يخافون الله، ولا يرجون الدار الآخرة، ولذلك هم يبحثون عن ملجأ يهربون إليه ((لو يجدون ملجئاً أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون)).

فكيف لمثل هؤلاء أن يخرجوا إلى قتال عدو؟! وكيف لهم أن يعرضوا صدورهم للموت؟! هذا لا يكون، بل هم ينظرون إلى ما يتسترون به حتى لا يراهم أحد، ولا يصل إليهم قاصد.

هذا دينهم، وهذه طريقة حياتهم، وهؤلاء لا تظنن أنهم أهل عجز لساني في حمل كل هذا الجبن على معاني عقلية جميلة، بل هم أهل ذكاء الفأر، ولهم حكمة الجبناء، لأنهم سيتقون المعركة بدعوى الحكمة، وسيكون فيهم فقهاء، أي فقهاء الفرق والهروب، وفقهاء السكون والإنبطاح والذلة، بل سيكثرون في وقت، وحينذاك سيهجمون على المخالفين من الواقفين والمجاهدين أنهم أهل تهور وغباء، وأهل جهل واندفاع، فيصبح الصراع خلافاً فقهياً معتبراً، فلكل وجهة نظره، فسبحان من جعل في زماننا للجبن فقهاً، وللخيانة تأويلاً، وَلِما كان عاراً عند الآباء وجهاً من وجوه الحكمة والنظر.

لقد تكلم عن الخوف من الأعداء فقال ((فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)) وقال تعالى ((أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين))، وهذا موسى الكليم فرّ من فرعون قبل النبوة فقال تعالى على لسانه ((ففرت منكم لما خفتكم)) ولكن بعد النبوة جاءهم، وصرخ بالحق بين أظهرهم، فهذه ميزة الإيمان، وتلك صناعته، فلا تظنن أن هذا دين الخنوع والذلة، وكونك لم تقرأ في كتاب سابق أن الشجاعة من الإيمان، ولم يكتب فيها التربويون من أهل عصرنا كما كتبوا عن "طاعة ولي الأمر"، وعن شروط الأمر بالمعروف والتي تعني أن يلغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن وجوب أذن ولي الأمر في الجهاد في سبيل الله، وأمثال ذلك من الأبحاث التي تتحدث عن الفرق بين "الكوع والبوع والكرسوع" والخلاف الخطير في السجود على الأيدي أم الركبتين، لا يعني أن الشجاعة أمرها هين في دين الله تعالى، بل هي والجود هما وعاء الإسلام، وحافظا هذا الدين، وإن الدين الحق لو نزل على قلوب جبانة وبخيلة لتحول هذا الدين إلى باطل من القول وزوراً، ولشكل الجبناء والبخلاء هذا الدين على معنى يوافقهم كما هو شأن الكثير من هؤلاء في زماننا.

المنافقون ليسوا من هذه الأمة، وخصلتهم الكبرى أنهم يفرقون ويخافون ويجبنون، ويهربون من الجماعات والبلاد والمواطن التي فيها البلاء، ويستقر أمرهم في ملاجئ ومغارات وسرب الجبن التي تقيهم جمرات الجهاد والمجاهدين، وستبتلى دولة الإسلام التي قامت بهؤلاء، فستجدهم يهاجرون منها إلى الملاجئ والمنافي التي تحتضنهم وتحميهم وتؤمن لهم حياة الذل تحت أيدي الكافرين، وسيهربون من بلد الإسلام خوفاً على أموالهم، وسيفتحون أفواههم هناك أن المجاهدين سبب خراب الدول، وعلة عدم استقرار الأموال وخرابها، ودلائل هذا النفاق بادية اليوم من كلامهم، لأنهم يحذّرون الأمة أن لو تمكن المجاهدون هنا أو هناك لأثاروا العالم ضدهم، ولحولوا البلاد سجناً من المعاناة بسبب معاداة الشرق والغرب، فهذه كلماتهم يقولها "طبقات المنافقين" كل بحسبه من الوضوح والصراحة، بل إن بعضهم ليعرض نفسه بديلاً عن المجاهدين حتى يرضى عنه الكفر وأهله، وهو مع ذلك يزعم العمل الإسلامي، والانتساب لجماعات تعمل لتحكيم شرع الله تعالى، وإن كان هذا المطلب عندهم قد ضعف وكاد يتلاشى، لأن البضاعة السائدة هي تحقيق الإصلاح السياسي فقط، وهي شعار الجميع اليوم، وعلى معنى واحد، وقد أُخذ مضمونه من مذاهب الكفر، وطرائق الشيطان.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٨٧