تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تكلم بكلمة ضد دينها قتل، ومن أرادها في شر أذاقته سوء العذاب، كان هذا رادعاً للأمم أن تقترب منها، لكن ضاعت فلسطين، وظن الأعداء أن الأمة ستحرق الأرض على ضياعها، فلم يروا إلا تفويضاً من هذه الشعوب لحكامها الطواغيت بحل المشكلة، فباعوها لأنهم أجراء لأسيادهم، وأحرق المسجد الأقصى، فارتقب الأعداء أن تتحول أمة الإسلام إلى قوى تري أعدائها ما تستحق، فوقع ما وقع في الأولى؛ أي فوضوا حلّ القضية للطواغيت الأجراء، فمضت كغيرها، وهكذا دخل الهوان والذلة في هذه الأمة، وصارت علامة لذلك، حتى قيض الله لها من أحيا فيها الجهاد في سبيل الله، فصارت في سنين قليلة هي، وهي وحدها، من يقف ليعلم العالم كيف يُذلُّ الطواغيت.

صاحب هذا الهوان فقه أعوج منحرف، وهو أن قضايا الأمة العامة لا يتحدث فيها، ولا يقوم لها إلا هؤلاء الطواغيت، يقولون هذا الفقه ليسدوا الأبواب أمام الطوائف المنصورة والمجاهدة، وحتى لا تقوم فترد المنكر الذي يتخللها ويسري فيها، والله يقول: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون))، هذا مع أن خطاب الله للأمة وليس للحكام، والحكام وكلاء لها، فإن تخلى الوكلاء عن المهمة عادت المهمة إلى الأصيل، فإن قصّرت كانت آثمة، وحق عليها غضب الله تعالى.

إنه لا حياة لأمة من الأمم ما لم يهابها المنافقون والأعداء في داخلها، والأعداء من خارجها، أما إذا بلغ الأمر بالأمة أن صار الأعداء في داخلها، وحطوا رحالهم بينهم فإنما هذا لهوانهم كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه:- "وإذا سلط الله السباء على قوم فليس لله فيهم حاجة"، وكيف لا تهون وقد هان الله في قلوبهم، وهان حكمه، وهان رسوله صلى الله عليه وسلم، وصار الناس يقاتلون على الدنيا، وتشتد الحروب في داخلها على الدنيا، وتهب الأقوام إن جاعت وفقدت رغيف الخبز، أما أن يكفر بالله بين أظهرها، ويهان اسم الله، وتترك الصلاة، وتفشو المحرمات فلا تتمعر وجوههم، فلم يعد الناس يسمعون أن فلاناً قتل آخر لسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لسبه اسم الله تعالى، وإن وقع فإنما هو واحد أو اثنين في مجموع الأمة، مع أن هذا السب قد شاع في أقوام، وفي بلدان، حتى هان أمر هذا في قلوب بعض من انتسب للعلم فلم يعد يحكم بالكفر على ساب الله وساب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كثر الرجال الذين يبيعون أرواحهم ونفوسهم لله، ويبذلونها رخيصة لغيرتهم على الله ورسوله فصار كل من سمع منه كلمة سب لله ولرسوله، أو استهزاءً بالدين يجد فدائياً يرمي رأسه بين يديه، أو يوجه له طلقة تستقر في قلبه لما صار الأمر إلى هذا الحال من الهوان، لكن هان دين الله في قلوب الأمة فهانت في عين الله، فكان هوانها عند أعدائها، لأنها صارت أمة أكل وشرب وحرص على الدنيا، ولولا وجود المجاهدين في سبيل الله الذين يحرضون الأمة على أفعال محمد بن مسلمة وأبي جندل بن سهيل بن عمرو، وأبي بصير لدخل الأعداء إلى مخادع بيوت الشيوخ والمفتين قبل غيرهم، وكيف لا يدخلون وقد صار فقه الهوان والذلة والخسة والجبن هو الفقه المعاصر الذي يتدثر به الجبناء برداء الحكمة والصبر، أو برداء توكيل مهمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحكام الردة والخيانة.

﴿ولكنهم قوم يفرقون﴾

النفاق جبن، والإيمان شجاعة، هذه قاعدة قرآنية، فكلما غزا الجبن قلباً كلما رحل إليه بمقدار ذلك النفاق، وكلما حطت الشجاعة رحالها في القلوب كلما صارت وعاءً للإيمان، فالمنافقون قوم يفرقون، فما أن يقعقع لهم بالشنآن حتى يدب

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٨٦