تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد نبأنا الله من إخباركم)) كما سيأتي، أما التعميم بما يحسه المرء من نفسه، فيقيس الآخرين على ذلك فهذا موطن العطب والإنحراف والخسارة، ولذلك يقول الفاروق:" لست بالخب ولا الخب يخدعني"، والخَب (بالفتح وقد يكسر) هو الخداع الذي يسعى بين الناس في الفساد.

لكن لماذا يخاف هؤلاء من المؤمنين فيضطروا لهذا الحلف الكاذب؟

هذا لأن المؤمنين لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يتهاونون في أمر الله تعالى كما قال تعالى ((والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر))، فلو أظهر هؤلاء كفرهم لما وجدوا من المسلمين تساهلاً ولا سكوتاً، وفي هذا بيان عمل المؤمنين في المجتمع المسلم، وهو رد على الزنادقة الذين ينفون حكم الله في الردة والزندقة، ويزعمون أن أبا بكر رضي الله عنه إنما قاتل المرتدين لأنهم خرجوا على نظام الدولة لا على الردة في أمر من أمور الشرع الذي هو حق الله تعالى، وقائلو هذه المقالات الكافرة دافعهم هو هوان أمر الله في قلوبهم، فإنهم لا يرون أن الإيمان يستحق أن يقتل عليه المرء، وأن حق الله لا يوجب خصومة بين الفرقاء، لكن هؤلاء يجيزون بل ويوجبون الحروب على الدرهم الواحد، لعظمته في قلوبهم.

إن المنافقين" يفرقون" من سيف المؤمنين، ومن شجاعتهم، ومن بذلهم نفوسهم لله تعالى، ولذلك لا يعلنون كفرهم، وقد خلق الله الكثير من البشر على هذا النحو، لا يرتدعون لخطاب الحق، ولا يستقيمون لهدي الكتاب ووعظه، لكنهم يسيرون على خير طريق بالخوف والردع، وهذا كما أنّه في الأشخاص كذلك هو في الشعوب والدول، بل الأغلب عليها كذلك، ولذلك ((أنزل الله الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز))، فالحياة لا تستقيم إلا بهذين؛ الميزان العادل من الأحكام والشرائع، ومصدره الكتاب الكريم، والحديد الناصر الذي ينصر الكتاب ويحميه، وغياب أحدهما يعني الفساد في الأرض، فالحق إن كان ضعيفاً لم يهتدي به إلا القلة، ولا ينتفع به إلا الصفوة، والقوة من غير كتاب يهدي تكون سبباً للفساد والظلم والخراب، ويتخذها أهلها لسلب الحقوق، وإفساد العباد، ولذلك لابدّ من وجود إسلام رادع، وفئة مؤمنة تبذل نفسها من أجل عقاب الخلق المفسدين والشاذين، وقصر عمل المسلمين على الإرشاد والوعظ فقط هو من طرق الشيطان لافساد الخلق، وخلوه بهم لأخذهم إلى طاعته، وهذا يجعل الجهاد في سبيل الله تعالى فريضة الحياة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ميزان الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" وقوله أضعف الإيمان لأنه تحصين لنفسه فقط، فلو خلا قلبه من ذلك لدخل هو مع المفسدين والفاسدين والعصاة، والحديث جعل التغيير باليد هو أعلى درجات الإيمان، لا كما يقول مفتو قطاع الطريق إلى الله إن هذا من الإفساد في الأرض، ومن نشر الفتن، وهذا أمر رباني لا يحتاج إلى اذن أحد، فإن أصابه مكروه بسبب هذا كان له أجر عظيم، وقد تصل إلى الشهادة، ولذلك هو أعظم درجات الإيمان في هذا الباب، والذين قالوا من أهل العلم إن هذا الحكم مضبوط بأن لا يجر فساداً أعظم منه لا يقصدون أبداً عدم لحوق الأذى بأمر ونهي، لأن هذا لا يتصور، بل إن الضابط لذلك هو الدين كما قال تعالى ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم))، أما أن يعطل الجهاد والأمر بالمعروف من أجل خوف الموت أو السجن أو الجلد أو ذهاب المال فهذا لا يقوله فقيه سابق إنما يقوله المدعون.

إن الأمة تستكين، وتهون في نظر أعدائها، إذا رأت أنها تقوم بما تقوم به من أمور ضدها ثم هي لا ترد على ذلك، ولا تجابه شرها، لكنها لو علمت أن هذه الأمة لا تسكت على باطل، ولا تنام على ضيم، فمن حرك لها أصبعها قطع، ومن

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٨٥