كل هذا العذاب الذي تحياه أمة الإسلام في أموالها وأولادها إنما سببه هوان هذه الأمة على الله، وقد صدق من قال: "ما أهون الخلق على الله إن هم عصوه"، ولذلك قال تعالى بعد أن أغرق فرعون وجنده ((فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين))، وقد ظنت هذه الأمة أن فراغها لدنياها، واكثارها من جمع المال سبيل لحصول الرفعة والعزة، فها هي بلاد المسلمين تعذب بالجوع حيناً، وبغزو أعدائها حيناً، وبسرقة أموالهم حيناً، وقد تحول أبناؤهم إلى سخرة وعبيد بين أعدائهم، وكل هذا بترك الجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:- ((إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه إلا أن تعودوا لدينكم)) أي لجهادكم.
لقد صارت أموال المسلمين وغناهم سبب شقائهم، وصارت كثرتهم سبباً للبلاء، لأنها وضعت في غير موضعها، وهذه هي سنة الله تعالى تمضي بلا تخلف أن من يعصي الله بشيء فإن الله يسلطه عليه.
﴿وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾
هذا الإقتران بين عذاب الله تعالى للمنافقين في أموالهم وأولادهم، وموتهم وهم كفار فيه معنى قرآني، وهو أمر واقع من هؤلاء، وهو أن حصول العذاب في الأموال والأولاد يزيد بعد هذه القلوب عن الله تعالى، حتى يصل أمرها إلى مستقر الوفاة على الكفر، لأن البعض يظن أن البلاء والعذاب على مثل هؤلاء يحيي قلوبهم، ويعيد عقولهم إلى رشدها، ويبصرهم بالهدى، ولكن هذا الظن مخطئ، لأن البلاء لا يحمل معنى في ذاته إلا من خلال ما في القلب من معاني وعلوم واعتقادات، فالبلاء إن وقع على القلوب الضالة فسر على معنى الضلال وزيادته، وإن وقع على المؤمنين زادهم إيماناً وهدى وعلماً، كما قال تعالى عن المرض ((أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون)) وهي آية ستأتي في ختام هذه السورة إن شاء الله تعالى. فهؤلاء الضالون في قلوبهم حين وقع بهم العذاب بأموالهم وأولادهم لم يهتدوا أن هذا من عند أنفسهم، ولم يسترشدوا بما وقع لادراك فساد دينهم وأعمالهم، بل الكثير منهم يسب الغدر، ويسب يد الله، ولا يلتفت لنفسه وما جنت يداه، فيستقر على الكفر من الأحوال، وهو قبل ذلك لا يدري ما يقول، ولا يهتم لقضايا الغيب والقدر، لأن أمر الدين لا يعنيه في شيء، لكن إن وقع البلاء صار حاله كحال قوم فرعون ((إن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه))، ولو رفع عنهم الرجز لكان أمرهم كأمرهم:- ((فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون))، ولذلك فأغلبهم بعد المصائب يسبون حكمة الله، ويتهمون قدر الله بالظلم، وقد تكون خاتمتهم مع هذا القهر، وهي خاتمة وصفها الله تعالى هنا بهذه الكلمة ((وتزهق)) فتموت وهي كافرة مقهورة بهذا الموت.
﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون، لو يجدون ملجئاً أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون﴾
يضطر المنافقون في أحيان عدة أن يعلنوا دخولهم مع المؤمنين، وخاصة زمن الإنتصار والتمكين، والقرآن في هذه الآية يكشف سبب هذا الدخول الظاهري الكاذب، وهو أنهم قوم يخافون من المؤمنين، وهم في محاولتهم لإثبات هذا الدخول والإنتماء يقسمون الأيمان، وقد تقدم بيان هذا المعنى من اتخاذ الحلف وسيلة للرضى والقبول عند القلوب المؤمنة التي تعظم الله تعالى، وفي هذا بيان أن المرء المسلم في معركته مع الأعداء يلزمه أن يعرف عمق خبث هؤلاء القوم، وأن يكون بصيراً بقلوبهم ونواياهم، ذلك لأن ظاهر القلب قد يقع في وهم حسن الظن الذي يحياه هو في نفسه، فيخسر بهذا الوهم معركته، فالمؤمن عاقل مدرك لطبائع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، فمع المؤمنين يُعمل قوله تعالى ((لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين))، ومع الكافرين يعمل قوله تعالى ((لن نؤمن لكم