فما عندهم من الطيب كاف للظرف الذي هم فيه، والله يقول: ((والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون))، وقوله" نكداً" أبلغ من قوله" عسراً" كما فسرها السابقون، فإن قوله" نكداً" معنى مادياً ومعنى معنوياً نفسياً، وهذا شأن المال الخبيث له أثر على الأبدان وعلى النفوس، وهو سبيل شر على أهله في أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم وائتلافهم، كما هو سبيل شر على قواهم وأعمالهم.
﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾
تقدم قول السلف كالحسن البصري أن العذاب هنا هو أخذ الزكاة منهم رغم أنوفهم، فهذا من عذاب الله عليهم، والآية أعم من ذلك، فإن المال بين أيدي الناس الذين لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر، ولا يطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مصدر من مصادر هلاكهم وعذابهم في هذه الحياة الدنيا، وهو سبب الشحناء بينهم، والخصومة، بل إن المرء ليقتل أباه أو أخاه على هذا المال، وتقوم الثورات عليه، بل هناك من المذاهب الكفرية من علقت الثورات وتقلبات الحياة على هذا المال، والمرء البخيل معذّب بماله، معذّب بجمعه الذي لا يشبع منه، ومعذّب في الحرص عليه، ومعذب بكراهية الناس له بسبب هذا الحرص، ومعذب بخوف ذهابه من بين يديه.
أما عذاب الله تعالى لهم بأولادهم، فهو ظاهر في الواقع، بين لمن تأمله، حتى صار يربي كلباً خيراً له من أن يربي ولداً، والمرء يحب الولد لأمور منها امتداد له، ورغبة الإنسان في الخلود هي منفذ الشيطان إلى أبينا آدم حين قال له:- "هل أدلك على شجرة الخلد "، فوجود ابن له يحمل نسبه يعوض عنه عدم قدرته على البقاء والخلود، ثمّ إن الولد قوة لأبيه، ولذلك فإن عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم لما دخلت كلمة قريش فيه لما حضر بئر زمزم تمنى أن يرزقه عشرة من الولد ليقوى بهم، ونذر نذره الشهير أنه لو رزق عشرة لذبح أحدهم، والمرء اليوم بسبب المعاصي وانتشارها لم يعد يرى هذا في أبنائه، فليسوا له عزوة، ولا ينتفع بهم بمال، بل هم في كثير من الأمور سبب شقائه وتعبه، وهذا من أشد العذاب والشقاء، لأن مجيء العذاب من باب الرجاء أشد من مجيئه من مصدر العداء، فالمرء قد يحتمل عداء العدو، لكن يصعب عليه عداء القريب، فكيف إن كان هذا العداء من الابن، وفي زماننا نرى أن أصحاب الأموال والثراء والملأ الذين لا يقيمون شأناً لدين الله في بيوتهم وحياتهم، ولا يهتمون بأبنائهم يسلط عليهم هؤلاء الأبناء، فهم كالوحوش، لا يرفعون رأس احترام وتقدير لآبائهم وأمهاتهم، ولا يطيعونهم في أمر، بل لا شأن لهم سوى الولوغ في الشهوات، ولذلك فلا عجب أن أبناء الملأ قد انتشرت فيهم ظواهر مقرفة مقززة، وصارت فيهم أديان عجيبة كعبادة الشيطان، والمخدرات، فيسلط الله الأبناء على الأموال، كما أفسدت الأموال هؤلاء الأبناء، فيؤول حرص الأب على العمل، وكده لجمع المال إلى أن يصير المال سبب شقائه، وهذه هي بعض صور العذاب في الحياة الدنيا حين يسلط الله الأموال والأبناء على مثل هؤلاء القوم، وإلا فهناك صور كثيرة، ومن ذلك عدم انتفاعهم بها مع أنها بين أيديهم، لما يصيبهم الله من الأمراض والضعف، أو يسلط الله عليهم من يأخذها منهم على وجه الإكراه، أو الحيلة، وهذا أكثر ما يقع اليوم في أموال المسلمين، وخاصة العامة منها، فكم من بلد سلط الله عليها المرتدين والزنادقة فسلبوا الأموال، وأضاعوها على شهواتهم، والناس لا يجدون ما يأكلون مع أن بلادهم هي من أغنى بلاد العالم وأثراها، وما يجمعه الكثير من المسلمين في سنين يأخذه أعداؤهم منهم في لحظات، كما كان يسمى قديماً بالتأميم حين تحول الأثرياء في لحظة إلى فقراء، أو من خلال لعبة الإنتكاسات الإقتصادية في أسواق المال حيث تذهب الملايين في لحظات إلى هباء.