تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه المعاني لو حصلت في قلبه ونفسه فإنها مشاعر كاذبة، لا يصدقها الواقع، وحين تكون المشاعر النفسية خاصة دون وقائع فإنها حينئذ تكون مرضاً، ولذلك فالترجمة الحقيقية لهذه المشاعر الإيمانية هو حملها للوجود من أجل إدخال العالم فيها، لأنها مشاعر رحمة على الخلق، ومعاني مبذولة للآخرين، غير قاصرة على قوم أو عشيرة، بل هي مرتبطة بمعاني، فمن آمن بها كان من أهلها، ومن تخلى عنها كان من المحرومين، فوجود هذا البناء لا يقتصر على العزة فقط، بل هو يمتزج بالتساوي مع الرحمة، ولذلك اقترنت صفة الغنى لله تعالى مع الحمد، فالله هو الغني الحميد، لأن الغنى استعلاء، والحمد شكر وثناء، وهذا من أبلغ المدح وأحسنه وأعدله، وقد وصف رسولنا بالضحوك القتال، وهذا أبلغ ما يكون عليه الإنسان الكامل، فهو لا يذل لعزيز من البشر، ولا يستنكف من مواساة ضعيف والمسلم مكتف بما عنده من الحق، ساعياً لبذله في الخلق، فلهذا كان المسلم عادلاً رحيماً عزيزاً.

شعور المسلم بالامتلاء، واستعلائه الإيماني على الآخر فكراً وسلوكاً وقيماً ومالاً وولداً هي مقدمات النّصر، وهي مقومات البقاء الحضاري لأي أمة تؤمن بهذا، وإنما الأمم تذوب وتزوى بسبب فراغها من هذه المعاني، فتلتحق بالآخرين، وتتبعهم، فتنهار وتتلاشى، وهذا يكون في القليل والكثير، حتى في الألبسة، وطرائق الحياة الفطرية من كيفية الأكل والشرب، وقضاء الحاجة، وهذا ليس خاصاً بالمسلمين، فقد قرأت لأحد دهاقنة الشرك في هذا العصر يفتخر بأن العلو الثقافي لحضارته الشركية مظهره هذا اللباس ((الإفرنجي)) من ((بنطال)) وتوابعه من ربطة العنق وغيرها، وهو يفسر هذا بأن المرء في كل البلاد قد يلبس لباسه الثقافي، ولكن في الوجود الكلي حين يجتمع الجميع يصبح لهم مظهراً واحداً هي ثقافة حضارته الشركية، هكذا يقول هؤلاء، وحين تتحدث عن السنة النبوية في هذه الجوانب، وهي جوانب عظيمة، لها آثارها النفسية والإيمانية، تجد من يزعم الإنتساب إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى دين الإسلام يستهزئ بك، ويزعم أنك تقزم الإسلام في هذه المظاهر، مع أن مظهر المياه في سطحها هو معبر عن صفائها أو كدرها في عمقها، وثقافة الهزيمة هي أصل في القلب تنبعث في مظاهر الحياة، صغيرها وكبيرها.

﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم﴾

إنك يا محمد (صلى الله عليه وسلم) لست بحاجة لهذه الأموال، ولا بحاجة لقواهم، فلا تتمنى مجيأهم إليك لشعورك أن هذا الدين سيقوى بهم إن جاؤوا، لأن الله يعلم أنهم لو جاؤوا لكانوا شراً عليك، وعلى جهادك، وعلى أمتك، فإن الله يبارك في القليل إن كان فيه الإخلاص، ويمحق الكثير إن كان خبيثاً كما قال تعالى ((قل لا يستوي الخبيث والطيب، ولو أعجبك كثرة الخبيث، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون))، وهذه الآية في سورة المائدة، جاءت في سياق حرمة صيد البر للمحرم في قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد))، إلى قوله تعالى ((وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً، فاتقوا الله الذي إليه تحشرون))، وقد فتن الصحابة رضوان الله عليهم بأن كانت أوابد الوحش مما أحله الله للحل وحرمه على المحرم تقترب منهم في رحالهم وهم حرم، كما وقع لبني إسرائيل يوم السبت كما قال تعالى ((إذ تأتينهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم))، فعصم الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم من المعصية، ولو أكلوها وصادوها لكانت كثيرة بين أيديهم، لكنها الكثرة الخبيثة، فقال تعالى ((قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث)).

إن الجهاد ليس بحاجة إلا لمال طيب، ولو كان قليلاً، وهو غني عن مال الخبث ولو كان كثيراً، فليقطع المجاهدون من نفوسهم تمني أموال المنافقين بين أيديهم، وليزيلوا من نفوسهم إعجابهم بهذه الأموال، وهذه الأعداد من أولادهم وتابعيهم،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٨٢