ثم قست قلوبنا"، فقوله: "ثم قست قلوبنا" من باب غمط النفس، وهي سمة الصديقين، وهو إمامهم، وأكبرهم، ولكنه قال هذا لما صار النور مألوفاً لقلبه، وصارت واردات العلم والهدى فيه مستقرة ودائمة، بخلاف البدايات فإن النور له معنى خاص يدفع صاحبه للفرح به، فيبكي له، لشدة قوة وارده عليه، وهذا ما وقع للمؤمنين الموحدين من النصارى لما وقع على قلوبهم نور القرآن الكريم كما قال تعالى ((وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين))، والله أعلم.
﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾
إن مضي الآيتين وما فيهما من بيان حال مال المنافق إذا أنفقه هو من أجل هذه الآية، لأن نفوس المؤمنين في هذا الواقع هي المراد، وتقويمها على الحق هو مقصد الخطاب القرآني، والنفوس الإنسانية تتأثر بما في أيدي الناس من المحبوبات التي ذكرها الله تعالى ((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث)) لكن هذه يرقيها القرآن، ويقومها خطابه، ويرفع شأنها من النظر إليها إلى الآخرة فقال ((ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب، قل أؤنبؤكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنت تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد))، ففي هذه الآية ((فلا تعجبك)) قطع الإعجاب بما في يد الكافر والمنافق من المال والأولاد، وهذا المعنى كثير في القرآن الكريم فقال سبحانه وتعالى:- ((ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين))، وقال تعالى:- ((ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير))، ذلك لأن اعجاب المؤمن بمال الكافر والمنافق سبيل إلى تعظيمه واجلاله، والإعجاب بعمله وعقله ووسائل حياته، وهذا لو وقع لكان شراً في قلبه، مؤذن بتقليده، ثم باتخاذه إماماً وقدوة، وهذا ما وقع في الأزمنة المتأخرة، فإن ما أعطاه الله من دنيا في يد الكافر، وكثرة النعيم عنده كان سبباً في شك المسلمين بدينهم، ثم اتباعهم طرق الأغيار، ولو تربى المسلمون على هذه الآية لكفتهم في هذا الشأن، ولعصمتهم مما يقال الانبهار بالكفر، لكن مرض حب الدنيا، واتخاذ ما فيها ميزاناً يقيم منه صواب المنهج وضلاله هو ما صرف الكثير من المسلمين عن الإسلام، وهذا منهج فرعون في التفضيل حين قال:- ((أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين)).
﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم﴾
إن قيمة نعيم الدنيا بما يجعله المرء وسيلة لرضوان الله تعالى، وكيف هو في عين الله تعالى، وقد تقدم أن أموال هؤلاء القوم غير مقبولة عنده سبحانه وتعالى، فهذا أمرها حالاً، أما أمرها مآلاً فهو:- ((إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون)).
هذا البناء القرآني للنفس المسلمة، هو عمدة الشخصية التي تصنع التاريخ، بل وتقتحمه، لأنها ترى نفسها دون غيرها بما معها من معاني الطهر والخير والهدى أحق الناس بخلافة الأرض، فهي في قروحها عزيزة، وفي فقرها غنية، وفي ضعفها قوية، فهي لا تهون في فقرها أمام غني، ولا في قروحها أمام منتصر، ولا في ضعفها أمام قوي، وهذا بناء حقيقي يكون في حالته السليمة لحظة الجهاد فقط، ومن غير الجهاد يكون حالة مرضية حقاً، لأن من ينسحب من الحياة بسبب